تزوجت البطالة بالتواني
فأولدها غلاما وغلامه
فأما الإبن لقبه بفقر
وأما البنت سماها ندامه
كما أن لهم الأزجال اللطيفة والمواويل الرشيقة. وميزاتها أنها تحيا كل يوم في البيت والشارع، والروايات التمثيلية، ويكسبها ذلك حيوية ومرونة أكثر من اللغة الفصحى، والمتتبع لكلام العوام يرى فيه التشبيهات الجميلة والعبارات القوية مثل: الله يجازي أوامك، ما فعل يا بعيد. ومثل: يا عطارين دلوني الصبر فين أراضيه، ولو طلبتوا عيوني خدوها بس ألاقيه. ومثل قولهم في السباب: «يا عملة جديدة»، ومثل قولهم في الغناء: «البحر بيضحك لي وأنا نازلة أدلع أملا القلل»، ولو عددنا ذلك لطال بنا القول فلنكتف بهذا القدر.
وقد ترقت اللغة العامية في الأزمنة الأخيرة وأخذت كثيرا من اللغة الفصحى، فتسمع العامي مثلا يقول: «فهمت دا بالقريحة»، والفضل في ذلك للمجلات والإذاعات التي لا تتزمت باستعمال اللغة الفصحى. وبقدر ما ارتقت اللغة العامية نزلت اللغة الفصحى لتقابلها في منتصف الطريق. وكان من أسباب ضعف التعليم وعدم انتشار الثقافة أن للمصريين لغتين متميزتين: الفصحى والعامية، وبينهما خلاف كثير، ولو كان لهم لغة واحدة أو لغتان متقاربتان لقلل ذلك من العوائق أو أزالها.
ومما يؤسف له أن أدباءنا لا ينتجون إلا باللغة الفصحى، أما العوام فليس لهم أديب ولا يجدون ما يتغذون به إلا شيئا قليلا تافها؛ فقل أن يحدثهم أحد في الراديو بلغتهم، وقل أن يكتب لهم كتاب بلغتهم، وفي ذلك خسارة كبرى، وقد اقترحت من أجل ذلك أن يكون للأدباء في بعض الأحيان لغة شعبية ساكنة أواخر الكلمات، متحررة من الإعراب الذي هو أكبر عقبة للعوام. ولكن اللغة قلما تصنع، والزمن كفيل بحل هذه المشكلات.
اللوازم:
من لوازم المصريين التي تلفت النظر كلمة معلهش! يقولونها في مواضع لطيفة، كقولهم إذا أصيبوا بالمصيبة: معلهش! استسلاما للقدر واستحثاثا على الصبر. وكذلك يقولونها إذا أصيبوا بكارثة مالية لعدم الحزن على ما فات والأمل فيما هو آت، ونحو ذلك. ثم يقولونها في مواضع سخيفة إذا ظلمهم ظالم من الحكام، فبدلا من أن يطالبوا بتحقيق العدل قالوا: معلهش . ويقولونها أيضا يتعللون بها عن الكسل وعدم السعي على الرزق، فإذا جاءت دودة القطن وأتلفته قالوا: معلهش! بدل السعي في تنقيته من الدود ... وهكذا.
ومن لوازمهم البقشيش، فكل شيء ولو كان تافها صغيرا يطلبون عليه بقشيشا، فإذا لم يقولوه بألسنتهم قالوا بنظراتهم وإشاراتهم، وربما لا تكون هناك كلمات ولا نظرات، ولكن العرف يدل عليه، وهناك طبقة أرستقراطية لا تعف عن البقشيش، ولكن بشكل طريف، وذلك بتبادل المصالح، فتقضي لصاحبك مصلحة ليقضي لك مصلحة نظيرها.
وقد يجرؤ على القول فيقول: سأعمل لك هذا العمل على شرط أن تعمل لي ذلك العمل.
وفي الأوساط المتعلمة خصوصا بين الشبان المتعلمين يستعملون كلمة «صهين»، وهي تساوي كلمة معلهش في استعمالها ومواضعها.
ومن لوازمهم أيضا «وأنا مالي» يقولونها للتخلص من مسئولية العمل، ولو قدر لمصر زعيم نجح في إبطالهم هذه الأمور الثلاثة: البقشيش، ومعلهش، وأنا مالي، لم يكن إصلاحه بالقليل.
اللوع:
كلمة تستعمل في اللسان الشعبي كثيرا، وتستعمل في معان مختلفة: أحيانا بمعنى كثرة المران والتجربة، وتحنيك الزمان، فيقال: لوعه الزمان؛ أي حنكه، وضغط عليه، حتى كثرت تجاربه وأصبح يفهم الأمور فهما دقيقا، وأحيانا بمعنى الرجل الذي لا يسير سيرا على خط مستقيم، ولكنه ينحرف في سيره، فيقولون: فلان ملوع، ولا تتلوعش علي، بمعنى لا تسر معي سيرا معوجا، وقد تستعمل بمعنى الإيلام، والإيقاع في الحزن والغناء، ومن ذلك قولهم: الحب لوعني؛ أي أضناني، وكثر استعمالها بهذا المعنى في الأغاني الغزلية.