أصبحت أفقر من يروح ويغتدي
ما في يدي من فاقة إلا يدي
في منزل لم يحو غيري قاعدا
فإذا رقدت رقدت غير ممدد
لم يبق فيه سوى رسوم حصيرة
ومخدة كانت لأم المهتدي
ملقى على طراحة في حشوها
قمل كمثل السمسم المتبدد
والفار يركض كالخيول تسابقت
من كل جرداء الأديم وأجرد
هذا ولي ثوب تراه مرقعا
من كل لون مثل ريش الهدهد
ومثل:
دعوتني للعرس يا سيدي
فكدت أن أحضر من أمسي
وها أنا الليلة في داركم
فالكلب ما يهرب من عرس
ومثل قول الآخر:
جمعك ابن الكثيب والغصن
فرق بين الجفون والوسن
يا فتنة ما وقيت صرعتها
مع حذري دائما من الفتن
باللفظ واللحظ كما ترى أبدا
تسخر بي دائما لتسخرني
ومثل:
أرى شعرة بيضاء في الخد نابته
لها لوعة في صفحة الصدر ثابتة
ومن شؤمها أني إذا رمت نتفها
نتفت سواها وهي تضحك شامتة (انظر البهاء زهير وابن دانيال).
الشعور الوطني:
نذكره لأنه ظاهرة من ظواهر الأمة الاجتماعية وأصبح عاملا مؤثرا في حياتها، ولم يكن موجودا إلا في الأيام الأخيرة بعد الاحتكاك بالأجنبي وتقليده، فلما هاجم الفرنسيون مصر لم يكن الشعور الوطني ظاهرا وإنما كان الموجود الشعور الديني، فلذلك أراد الفرنسيون أن يضحكوا على عقول المصريين، بدعوى دخول بعضهم في الإسلام كعبد الله منو، وربما ادعى نابليون نفسه ذلك.
ولكن لم تجز الحيلة على المصريين، فظلوا في عدائهم للفرنسيين بحكم مخالفتهم لهم في الدين.
وهذا هو الذي يفسر طاعتهم للترك وسكوتهم عن مظالمهم لاتفاقهم مع الأتراك في الدين.
ويظهر أيضا الشعور في كل حركاتهم، وسكناتهم، وحتى عرابي «باشا» نفسه استغل هذا الشعور الديني في ثورته، فكان يستعين على نجاحها بحمل العلماء على قراءة البخاري، وحمل الدراويش على إقامة الأذكار، واستغل الشعب بيضة ولدتها فرخة في طنطا زعموا أنها مكتوب عليها: (نصر من الله وفتح قريب)، وبالمدافع الخشبية الثلاثة، وهي مدفع السيد البدوي، ومدفع سيدي عبد العال، ومدفع سيدي إبراهيم الدسوقي، ولكن يظهر أن الشعور القومي ظهر إذ ذاك، فحركة عرابي نفسه في بدئها كانت مطالبة بمساواة الضباط والجنود المصريين بأمثالهم من الشراكسة، وهذه نزعة مصرية لا إسلامية، ولكن يؤخذ على الثورة أنها كانت مصحوبة بغرور الزعماء، بل إن هذا الشعور كان من قبل ذلك، فيؤثر عن مراد بك عند مهاجمة الفرنسيين أنه قال: «إنهم إذا جاءوا مزقت شملهم.»، وكذلك كان عرابي يستخف بالإنجليز، ولذلك لم يحصن البلاد التحصين الكافي.
وشيء آخر وهو عدم فهم المصريين للألاعيب السياسية، والدسائس الخفية، مثل إرشاء بعض المصريين بالأموال للتفريق بينهم ونحو ذلك.
وعلى العموم ، فقد كان الذين يساعدون عرابي وطنية يحصرون على الأصابع، ولما كسروا واحتل البلاد الإنجليز، ظهر المقت والغضب، ولكن كان يلطفهما الإيمان بالقضاء والقدر، وأن الله سلط الإنجليز علينا لظلمنا وعصياننا، ولما جاء مصطفى كامل كان من مزيته تقطير الشعور الوطني إلى الشعب بعد أن كانت نزعة الوطنية أرستقراطية، وذلك بجريدته وخطبه، فاشتد إقبال الناس عليهما وتأثرهم بهما.
وكثر أيضا اتصال الشبان بالأوروبيين عن طريق البعثات وقراءتهم الكتب الأجنبية في الوطنية، ورؤيتهم مشاعرهم وأعمالهم، ولذلك لما مات مصطفى كامل نبض له قلب مصر لأول مرة، كما قال قاسم بك أمين.
ومع ذلك ظل الشعور الديني يغلب الشعور الوطني بدليل أنه لما نادى أحمد لطفي السيد في الجريدة بالدعوة إلى المصرية لا العثمانية ولا غيرها، كره الناس قوله وشنعوا عليه، ثم لما جاء سعد «باشا» زغلول كان من أثره إيصال الشعور إلى الفلاحين إذ كان نابعا من أنفسهم، وكان خطيبا مفوها، وطالب بتوقيع توكيل من الفلاحين أيضا فاجتمعت البلاد كلها حوله.
وشيء آخر ينسب إليه، وهو فهمه وتفهيمه ألاعيب سياسة الاستعمار وسد الباب في وجهها، فإذا أرادوا أن يفرقوا بين مسلم وقبط جعل في الوفد أقباطا يوقعون معه عرائضه، ودعا إلى تعانق المسلم والقبطي.