"تقوم الأهمية التاريخية للعلوم العربية على احتضانها التراث القديم، مما أتاح للغرب أن يتقبل هذا التراث بدوره وفي عهد لاحق. لكنه من الحيف أن نقصر هذه الأهمية على مجرد دور الوسيط السلبي. ولعلنا لا نشاهد مطلقًا في التاريخ مثل ذلك الحماس الفكري الذي نشاهده عند العرب، ولم تتجمع قط المعلومات المتوفرة لأمة من الأمم بمثل ذلك الاتساع. فقد أضافوا إلى العلم الإغريقي كل ما أسهمت فيه المدنيات الشرقية الأخرى. وتيسر عرض ذلك في لغة ذات حضارة واحدة. وإن صحّ أنهم انطلقوا من النصوص القديمة، فإنهم قاموا بمقارنة هذه النصوص وانتقادها وضبطها، ولابد من أن ينجم عن ذلك كله تقدم على أقل تقدير في بعض الميادين. وإذا كان علماء المسلمين – رغم نزعتهم الفكرية – أقل قوة في التجريد من اليونان، لكنهم عوّضوا عن ذلك بميلهم الشديد إلى التجربة. ولقد بين التقدم العلمي اللاحق أهمية هذا الميل. فالعلم الذي خلفه العرب هو علم مارسوه في حياتهم اليومية، ولهذا السبب ظل على قيد الحياة وقدّر له البقاء. وكان الرازي (وهو أحد كبار العلماء) قد عبر تعبيرًا واضحًا جدًا عن إمكانية استمرار التقدم العلمي، وذلك مبدأ غريب على معظم مفكري العصر الوسيط الذين نأوا بعبء الحكمة القديمة"(3).
[ 4 ]
".. لا بدّ لنا من القول بأن المؤلفات [العربية]، رغم ما نلحظ فيها من تكرار، تشهد على حيوية فكرية بالغة. وهي إذا قورنت بالمؤلفات الأوروبية الصادرة بعد العهد (الكارولنجي)، أو بالآثار التي وضعت إبان النهضة البيزنطية، أثارت في نفوسنا الدهشة والإعجاب"(4).
[ 5 ]