"لا يسعنا إلا أن نسجل استغرابنا مما يدّعيه بعض المكابرين، الذين ينكرون قيام حضارة عربية في التاريخ، فإذا كانت البحوث العلمية والفلسفية والثقافية مضافًا إليها الأعمال الفنية، وما تنطوي عليه كل هذه الشؤون من قيم، لا تشكل حضارة ذات شأن، فماذا تكون إذن الدعائم التي تقوم عليها الحضارات؟ صحيح أن العرب نقلوا عن اليونان والفرس والهنود والرومان، ولكن هل ينكر عليهم ما رادوه على ذلك باكتشافاتهم في الطب والكيمياء والجبر والفلك والرياضيات، وفي الفن أيضًا؟ وهل من الإنصاف أن ينكر على فلاسفتهم وحكمائهم، نظرياتهم في الاجتماع والاقتصاد والإدارة؟ ثم ماذا يضير العرب إذا كانوا نبشوا ما كان دفينًا من فلسفة اليونان وحضارتهم وأظهروه إلى النور؟ إن من يطالع الكتب الغربية التي أنتجها عصر النهضة، يجد فيها أثر علماء العرب واضحًا فما جاء به (مونتسكيو) و(باكون) وعلماء الاجتماع في القرن السادس عشر والسابع عشر، تجده، أو تجد له تمهيدًا على الأقل، في مقدمة ابن خلدون، هذه المقدمة التي لم تترك حقلاً من حقول البحث الاجتماعي إلا وطرقته، حتى شهد علماء الغرب أنفسهم أنها أعظم مؤلف علمي واجتماعي. وكتب الفلك الغربية محشوة بالكلمات العربية التي لم يجد علماء الفلك الغربيون بدًا من تبنيها.. والأرقام الغربية ليست إلا أرقامًا عربية. كل هذا إنما يدل على مدى اقتباس العلوم الغربية من العلوم العربية. إن ما تحويه المؤلفات العلمية والفلسفية الغربية من أمثال هذه الشواهد لدليل على أن النضج الفكري والعلمي الذي نقرأ عنه في عصر النهضة الغربية وبعدها، إنما كان متأثرًا إلى حد بعيد بالنضج الفكري والعلمي عند العرب، بل كان مؤسسًا عليه ومقتبسًا منه.."(4).
[ 6 ]