"إن قرطبة فاقت كل حواضر أوروبا مدنية أثناء القرن العاشر، كانت في الحقيقة محط إعجاب العالم ودهشته. وكان السياح القادمون من الشمال يسمعون بما هو أشبه بالخشوع والرهبة عن تلك المدينة التي تحوي سبعين مكتبة وتسعمائة حمام عمومي. فإن أدركت الحاجة حكام ليون أو النافار أو برشلونة إلى جراح أو مهندس معماري أو خائط ثياب أو موسيقي فلا يتوجهون بمطلبهم إلا إلى قرطبة"(2).
[ 3 ]
"ترينا أسماء الأمكنة والألفاظ الشائعة التي بقيت في اللغة الإسبانية حتى الآن مدى تأثيرها باللغة العربية في خير أوقات نموّها. إذ ما أهل القرن العشر، حتى كانت بسائط الحياة الإسبانية قد تأثرت بالإسلام أعمق تأثير. هذا التأثير امتد بسقوط طليطلة فشمل سائر أنحاء أوروبا.. ثم وإن كان بلاط الملك الفونسو بلاطًا مسيحيًا بالاسم « كما تأثر خطاه في هذا المضمار بلاط فردريك الثاني في بالرمو بعد ذلك الزمن بمائتي عام تقريبًا) فقد كانت مسحة المدنية الإسلامية تغلب عليه.. ولقد كانت مدارس طليطلة تجتذب طلاب العلم من جميع أنحاء أوروبا، وبضمنها إنكلترا.."(3).
[ 4 ]
"يذهب الناس أحيانًا إلى أن تراث العصور الوسطى ليس إلا تراثًا مسيحيًا خالصًا، وأن المسيحية.. إنما هي السبيل الوحيد لتعرف تاريخ العصور الوسطى. على أن هذا القول ينطوي على إغفال أهم ما ظفرت به النهضة الأوروبية من أثر هام قام بالجانب الأكبر منه مسلمو إسبانيا، ولم يكن حظ مسلمي صقلية وبلاد البرتغال منه قليلاً.."(4).
[ 5 ]
"اجتذبت مدارس طليطلة إليها الدارسين من سائر أنحاء أوروبا، واستطاع هؤلاء الدارسون بفضل ما تعلموه من اللغة العربية.. أن يتوفروا على ترجمة الكتب من العربية إلى اللاتينية فأسهموا بذلك في تقديم الحركة العلمية في العالم.. فمن مدارس سالرنو وبغداد ودمشق وقرطبة وغرناطة ومالقة تلقى العالم ثقافة المسلمين وعلومهم.."(5).