"في هذا العالم الإسلامي القلق، الجيّاش بعظائم الأحداث.. ليس ما يلفت النظر ويستبد بالخواطر مثل الرواج الذي بلغته الآداب، والازدهار الذي آلت إليه الحركة الفكرية.. واتساع هذه الحركة التي عمت مشارق العالم الإسلامي ومغاربه، فتحت الباب على مصراعيه أمام التنوع لظهور مجار فكرية عامة وتلقيح الأفكار والأذهان في كل مكان.. وقد بلغ من غنى التأليف في العالم الإسلامي ما جعل الناس يشعرون بحاجة ماسة لمن ينهض ويعرف به في فهارس علمية.. وقامت في بعض حواضر البلاد الإسلامية الكبرى دور للكتب غصّت بعشرات الألوف من الكتب جرى تصنيفها على نظم فنية خاصة روعي فيها تصنيف العلوم على أبواب ومطالب، وقام على خدمتها جيش من النساخ والوراقين.. كل هذا كان يفترض عددًا كبيرًا من القراء والمطالعين وطائفة كبيرة من الكتاب وحملة الأقلام والمفكرين"(2).
[ 3 ]
"أفضت الحملات الصليبية بسرعة أخيرًا، بإقامة الروابط المتينة مع البلدان المتقدمة ثقافيًا، إلى تهذيب أخلاق الفرسان، ونشر استعمال الطرائق والسلع الغريبة وإدخال التقنيات الجديدة.. وإطلاع رجال الفكر على بعض مظاهر العلم والفلسفة والفن والآداب في العالمين العربي واليوناني: فجاءت هذه الأشكال والمفاهيم والطرائق والعادات، التي حصل عليها أحيانًا في إمارات فلسطين وإيطاليا الجنوبية، وشبه الجزيرة الإيبرية، وانتشرت بفضل العائدين من الحج، تنمي التراث الثقافي في أوروبا المسيحية.."(3).
[ 4 ]
"امتدت الثقافة الإسبانية إلى ما وراء حدود السيطرة الإسلامية المنكمشة. ففي صقلية المخصصة للنورمنديين، حيث عومل المسلمون المقيمون بتساهل قل نظيره، تألق مركز إشعاع ثان، دون إسبانيا شأنا، على أنه أعظم أهمية، على حد بعيد، من الشرق اللاتيني، انتقلت بواسطته الثقافة الإسلامية إلى الغرب.."(4).
[ 5 ]