"لقد جسمت العداوة المسيحية خطر الحرب المقدسة في إخضاع البلاد التي لا تدين بالإسلام للسيطرة الإسلامية، إذ أن القتال لم يكن له كل هذا العمل في انتشار الفتوح حتى في إبان القرن الأول بعد الدعوة، وإنما تم معظم هذا الفتوح بالتسليم ومعاهدات الصلح، ووردت في هذه المعاهدات فقرات تبيح لأهل الكتاب من أبناء البلاد المفتوحة أن يحتفظوا بعقائدهم وشعائرهم بشروط ليس على الجملة بالمرهقة. فليست فكرة النار والمدن بالفكرة الصحيحة التي يؤيدها الواقع، ومن الميسور كما يقول المؤرخ توينبي أن يسقط الدعوة التي شاعت بين جوانب العالم المسيحي غلوًا في تجسيم أثر الإكراه في الدعوة الإسلامية، إذ لم يكن التخيير ببلاد الروم والفرس بين الإسلام والسيف وإنما كان تخييرًا بين الإسلام والجزية وهي الخطة التي استحقت الثناء لاستنارتها حين اتبعت بعد ذلك في البلاد الإنجليزية على عهد الملكة اليصابات.."(1).
(1) الإسلام والعصر الحديث ، عن العقاد: ما يقال عن الإسلام، ص 22 – 23 .
آدم متز
[ 1 ]
"إن أكبر فرق بين الإمبراطورية الإسلامية وبين أوروبا التي كانت كلها على المسيحية في العصور الوسطى وجود عدد هائل من أهل الديانات الأخرى بين المسلمين وأولئك هم (أهل الذمة) الذين كان وجودهم من أول الأمر حائلاً بين شعوب الإسلام وبين تكوين وحدة سياسية.. واستند أهل الذمة إلى ما كان بينهم وبين المسلمين من عهود وما منحوه من حقوق فلم يرضوا بالاندماج في المسلمين وقد كان وجودهم سببًا لظهور مبادئ التسامح التي ينادي بها المصلحون المحدثون وكانت الحاجة إلى المعيشة المشتركة وما ينبغي أن يكون فيها من وفاق مما أوجد من أول الأمر نوعًا من التسامح الذي لم يكن معروفًا في أوروبا في العصور الوسطى ومظهر هذا التسامح نشوء علم مقارنة الأديان، أي دراسة الملل والنحل على اختلافها، والإقبال على هذا العلم بشغف عظيم"(1).
[ 2 ]