"أن [أتباع] محمد [صلى الله عليه وسلم] هم وحدهم الذين جمعوا بين المحاسنة ومحبة انتشار دينهم وهذه المحبة هي التي دفعت العرب في طريق الفتح وهو سبب لا حرج فيه، فنشر القرآن جناحيه خلف جيوشه المظفرة إذا أغاروا على الشام وساروا سير الصواعق إلى أفريقيا الشمالية من البحر الأحمر إلى المحيط الأطلنطي ولم يتركوا أثرًا للتعسف في طريقهم إلا ما كان لابد منه في كل حرب وقتال، فلم يقتلوا أمة أبت الإسلام.. فكلما التقى المسلمون بأمة خيروها بين واحد من ثلاثة الإسلام أو الجزية أو تحكيم الحرب حتى تضع أوزارها. هكذا كانت الأوامر التي زود بها أبو بكر الصديق خالد بن الوليد [رضي الله عنهما] من أنفذه إلى الشام"(1).
[ 2 ]
"إذا انتقلنا من الفتح الأول للإسلام إلى استقرار حكومته استقرارًا منظمًا رأيناه أكثر محاسنة وأنعم ملمسًا بين مسيحيي الشرق على الإطلاق. فما عرض العرب أبدًا شعائر الدين المسيحي بل بقيت روما نفسها حرّة في المراسلات مع الأساقفة الذين ما زالوا يرعون الأمة الخالية.. وكان الوئام مستحكمًا بين المسلمين والمسيحيين.. ومع هذه المسالمة العظيمة من جانب المنتصر مع المغلوب، ضعفت الديانة النصرانية جدًا ثم زالت بالمرة من شمال أفريقيا.. ولم يكره أحد على الإسلام بالسيف ولا باللسان بل دخل القلوب عن شوق واختيار وكان نتيجة ما أودع في القرآن من مواهب التأثير والأخذ بالألباب. نعم قد اعتنق الإسلام قوم مشوا وراء منافعهم ولكنهم قليلون بجانب من أسلم عن اعتقاد صادق وميل صحيح.. وصار من اللازم أن يثبت الإسلام لمن أراده على يد القاضي ويحرر بذلك محضر يذكر فيه أن المسيحي اعتنق الإسلام عن اعتقاد تام غير خائف ولا مكره، إذ لا يجوز أن يكره أحد على تغيير دينه"(2).
[ 3 ]