"بين أوروبا الغربية الآخذة مدنيتها بالقهقرى، وبين العالم الآسيوي الذي يستجمع بعد نشاطه ويسترجع عافيته.. ظهر الإسلام كالشهاب الساطع، فحيّر بفتوحاته السريعة القاصمة، وباتساع رقعة الإمبراطورية الجديدة التي أنشأناها نحن أمام شعب كان للأمس الغابر مجهول الاسم، مغمور الذكر، فإذا به يتّحد ويتضامّ في بوتقة الإسلام، هذا الدين الجديد الذي انطلق من الجزيرة العربية اكتسحت جيوشه ببضع سنوات الدولة الساسانية وهدت منها الأركان، ورفرفت بنوده فوق الولايات التابعة للإمبراطورية البيزنطية في آسيا وأفريقيا ولم تلبث جيوشه أن استولت بعد قليل على معظم إسبانيا وصقلية، وأن تقتطع لأمد من الزمن، يقصر أو يطول، بعض المقاطعات الواقعة في غربي أوروبا وجنوبها ودقت جيوشه بعنف شديد أبواب الهند والصين والحبشة والسودان الغربي وهددت فرنسا والقسطنطينية.. وقد تهاوت الدول أمام الدفع العربي الإسلامي كالأكر، وتدحرجت التيجان عن رؤوس الملوك كحبات سبحة انفرط عقدها النظيم وذابت الأديان التي سيطرت على الشعوب والأقوام كما يذوب الشمع أمام النار بعد أن أطلّ على الدنيا دين جديد.."(1).
[ 2 ]
"قلما عرف التاريخ والحق يقال، فتوحات كان لها، في المدى القريب، على الأهلين، مثل هذا النزر الصغير من الاضطراب يحدثه الفتح العربي لهذه الأقطار فمن لم يكن عربيًا من الأهلين لم يشعر بأي اضطهاد قط. فاليهود والنصارى الذين هم أيضًا من أهل الكتاب، حق لهم أن يتمتعوا بالتساهل وأن لا يضاموا. وكان لابدّ من الوقوف هذا الموقف نفسه من الزرادشتية والبوذية والصابئة.. وغيرها من الملل والنحل الأخرى. والمطلوب من هؤلاء السكان أن يظهروا الولاء للإسلام ويعترفوا بسيادته وسلطانه، وأن يؤدوا له الرسوم المترتبة على أهل الذمة تأديتها.. وفي نطاق هذه التحفظات التي لم يكن لتؤثر كثيرًا على الحياة العادية، تمتع الزمن بكافة حرياتهم.."(2).
[ 3 ]