".. لم تكن المساجد مجرد أماكن تؤدى فيها الصلوات فحسب، بل كانت منبرًا للعلوم والمعارف، كما ارتفعت فيها كلمات الرسول [صلى الله عليه وسلم] فوق مجد التديّن الأعمى. ألم يقل [صلى الله عليه وسلم] أقوالاً، كان يكفي لأن يقولها في روما حتى يحاكم عليها بتهمة الهرطقة؟ أو ليس هو القائل بأن حبر الطالب أقدس من دم الشهيد؟"(5).
[ 5 ]
".. لم يكن المسجد تقليدًا للكنيسة بالمرة، حتى ولو ارتفعت سقوفه فوق عمد، كانت يومًا ما، تحمل سقف كنيسة. فمفهوم المسجد يختلف عند المسلمين تمام الاختلاف منذ البداية عن مفهوم المسيحيين للكنيسة. فليس المسجد بيت الله المقدس الذي يتقرب فيه المؤمن من الله عن طريق وساطة الكاهن. فمن قبيل التبرك، أصبح بناء الكنيسة يرمز حرفيًا، وليس معنويًا، إلى مملكة السماء التي يحكمها المسيح [عليه السلام] وإلى البيت المقدس الذي هبط من السماء إلى الأرض. وظلت الكنيسة تحمل هذا المعنى على مر العصور.. أما المسجد فقد تحرر من تلك الأفكار، وكان هدفه بسيطًا واقعيًا. فالعالم كله مسجد كبير بني لله.. ولم يفرض عليه الإسلام ضرورة الصلاة في مسجد أو معبد. وعبادته ليست مرتبطة بوجود كاهن مبارك يمثل دور الوسيط بينه وبين ربّه، فكل إنسان في نظره عبد لله قادر على أن يؤم المصلين في المسجد.. فالجامع هو الذي يجمع المسلمين. وهو ليس بالمكان الخاص الذي يرتفع ببركاته وقدسيته، كالكنيسة، على بقية منازل الناس ومساكنهم. ولهذا لم يهتمّ المسلمون كثيرًا بمظهر المساجد الخارجي. والصلاة للجميع على قدم المساواة فيقف العالم بجوار السقاء وقائد الجيش بجوار الجندي، والإمام بملابسه العادية لا يميزه شيء عن الآخرين.. فالكل سواسية كأسنان المشط. وقد كان هذا الأساس الديمقراطي للإسلام هو الذي جعل المساجد تتسع ولا ترتفع لتضم مزيدًا من الأروقة للمؤمنين المتساوين في الحقوق والواجبات.. والمسجد لا يحاول التأثير على الفرد موضوعيًا أو حسيًا