"كانت التعاليم الاجتماعية التي جاء بها محمد [صلى الله عليه وسلم] في أساسها، إعادة لإحقاق المبادئ الأخلاقية التي تشترك فيها ديانات التوحيد، فازداد ترسيخ معنى الأخوة بين جميع أفراد الجماعة الإسلامية، وأنهم سواسية من حيث القيمة الشخصية الفطرية دون نظر إلى ما في مكانتهم الدنيوية ووظائفهم وثرواتهم من تباين واختلاف. وتعمقت جميع العلائق الواجبات المتبادلة التي تستتبعها هذه المبادئ. وقد تم ترسيخ ذلك كله وتعميقه حين وضعه الإسلام على أساس من الولاء الخفي والخضوع العلني لإله واحد.. وكانت لتعاليم الرسول [صلى الله عليه وسلم] نتائج اجتماعية ملموسة تحدّدت صيغتها كما هو الحال في جميع الحركات الدينية بما تركته من آثار في البيئة التاريخية الواقعية"(1).
"ومنذ البداية نشأ تيار [فقهي] يعارض بعض مظاهر المفهوم الرسمي، ويعارض سيطرة الدولة على الأمور الدينية، كما تجلى إصرار الفقهاء على أن الفقيه مسؤول تجاه نفسه فقط. وقد وقع النزاع علنًا عندما قام المأمون وخلفاؤه يحاولون فرض المبادئ ذات الصبغة اليونانية التي نادى بها فريق المعتزلة (مذهبًا رسميًا)، ويضطهدون زعماء السنة المعارضين. وانتهى الصراع بانتصار السنة، وكان برهانًا قاطعًا على استقلال النظام الديني الإسلامي عن الخلافة وغيرها من المؤسسات السياسية، وعلى أن الحكام السياسيين لا يستطيعون الإشراف على مصادر سلطان الدين لأنها ملك للجماعة ولا علاقة لأحد بها، وأن الخلافة ذاتها نابعة من ذلك السلطان وأنها رمز سياسي له. وكانت هذه الأحداث ذات أهمية أساسية في مستقبل الإسلام كله، ذلك أنها حاولت دون أن يرتبط بأي نظام سياسي، وأمدت النظام الديني والجماعة معه بالحرية اللازمة للتطور على أسس ما يحويه الإسلام من طبيعة ومنطق ذاتيين.."(2).
[ 2 ]