فصل فيما يقبل فيه قول الواحد وما لا يقبل *)
مسافر حضرته الصلاة ولم يجد ماء إلا في إناء وأخبره رجل أنه نجس قال في الكتاب إن كان المخبر عدلا ليس له أن يتوضأ بذلك الماء وإن كان فاسقا فله أن يتوضأ بذلك الماء لأن الطهارة في الماء أصل فيتمسك بالأصل فلا يبطل حكمه كما لا يثبت الخبر برواية الفاسق * بخلاف ما إذا أخبره فاسق في المعاملات فإن ثم يجوز الأخذ بقول الفاسق لمكان الضرورة وإن كان المخبر بنجاسة الماء مستورا فالمستور فيه بمنزلة الفاسق في ظاهر الرواية لأن العدالة شرط وما كان شرط لا يكتفى بوجوده من حيث الظاهر كمن قال لعبده إن لم تدخل الدار اليوم فأنت حر فقال العبد لم أدخل وقال المولى دخلت كان القول قول المولى وإن كان الظاهر شاهد للعبد فإن كان المخبر بنجاسة الماء عبدا ثقة فالعبد بمنزلة الحر العدل كما في رواية الاخبار * وإن كان المخبر بنجاسة الماء امرأة حرة فالمرأة بمنزلة الرجل كما في رواية الاخبار والأمة الثقة بمنزلة الحرة فإن أراق الماء ثم تيمم كان ذلك أحوط وإن كان أكبر رأيه أن المخبر بنجاسة الماء كاذب فإنه يتوضأ به ولا يتمم وإن كان المخبر بنجاسة الماء رجلا من أهل الذمة لا يقبل قوله فإن وقع في قلبه أنه صادق في هذا الوجه قال في الكتاب أحب إلى أن يريق الماء ثم يتمم ولو توضأ به وصلى جازت صلاته * وفي خبر الفاسق إذا وقع في قلبه أنه صادق فإنه يتمم ولا يتوضأ به لأن الفاسق من أهل الشهادة على المسلم أما الكافر ليس من أهل الشهادة على المسلم * ولو كان المخبر بنجاسة الماء صبيا أو معتوها يعقلان ما يقولان قال فهو كذلك * من أصحابنا من قال المراد بهذا العطف أن الصبي كالبالغ * إذا كان مرضيا ويسقط اعتبار البلوغ كما يسقط فيه اعتبار الذكورة والحرية ويكون هو كالبالغ كما في المعاملات * والأصح أن مراده العطف على الذمي فإن خبر الصبي والمعتوه في هذا كخبر الذمي لأنه ليس لهما ولاية الإلزام * ولو أن رجلا دخل على قوم من المسلمين يأكلون طعاما ويشربون شرابا فدعوه إليه فقال له رجل ثقة منهم عرفه هو هذا اللحم ذبيحة المجوسي وهذا شراب خالطه خمر فقال الذين دعوه إلى ذلك ليس الأمر كما قال بل هو حلال فإنه ينظر في حالهم فإن كانوا عدولا لا يلتفت هو إلى قول ذلك الواحد الذي أخبره بالحرمة وإن كانوا متهمين فإنه يأخذ بقول ذلك الواحد ولا يسعه أن يتناول شيئا من ذلك سواء كان المخبر بالحرمة حرا أو مملوكا ذكرا أو أنثى لأن قول الواحد الثقة مقبول في الديانات * ولو كان في القوم رجلان ثقتان فإنه يأخذ بقولهما * وإن كان في القوم ثقة واحد فإنه يعمل بذلك بأكبر رأيه * فإن لم يكن في ذلك رأي له واستوى الحالان عنده فلا بأس بأن يأكل في ذلك ويشرب ويتوضأ منه * وإن كان الذي أخبره بأنه حلال مملوكين ثقتين والذي يزعم أنه حرام واحد فلا بأس بأكله لأنه في الخبر الديني الحر والمملوك سواء فيترجح قول المثنى * وإن كان الذي يزعم أنه حرام مملوكين ثقتين والذي يزعم أنه حلال حرا واحدا فإنه لا ينبغي له أن يأكل لترجح قول المثنى * رجل تزوج امرأة فأخبره مسلم ثقة رجل أو امرأة أنهما ارتضعا من امرأة واحدة قال في الكتاب أحب إلى أن يتنزه فيطلقها ويعطيها نصف المهر إن لم يكن دخل بها ولا تثبت الحرمة بخبر الواحد عندنا ما لم يشهد به رجلان أو رجل وامرأتان * وعلى قول الشافعي رحمه الله تعالى تثبت حرمة الرضاع بشهادة الأربع من النساء وإنما يتنزه احتياطا لمكان حرمة الوطء فيطلقها كي لا تبقى معلقة ويعطيها نصف المهر قبل الدخول والكل بعده وإن كان المسمى أكثر من مهر المثل يستحب أن لا تأخذ منه شيئا قبل الدخول وبعد الدخول يستحب لها أن تبرئ الزوج عما زاد على مهر المثل إذا كان المسمى أكثر من مهر المثل لأن الزيادة إنما تجب بحكم النكاح وذلك محتمل * وإن لم يطلقها ولم يتنزه وسعه ذلك لأن ملك النكاح لم يبطل بهذه الشهادة * وكذلك رجل اشترى جارية فأخبره عدل ثقة أنها حرة الأبوين أو أنها أخته من الرضاع فإن تنزه عن وطئها فهو أفضل وإن لم يتنزه وسعه ذلك لأن ملك اليمين لم يبطل بهذه الشهادة * مسلم اشترى لحما وقبضه فأخبره مسلم ثقة أنه ذبيحة مجوسي فإنه لا ينبغي للمشتري أن يأكل ولا يطعم غيره لأن المخبر أخبره بحرمة العين وبطلان الملك وحرمة العين حق الله تعالى فيثبت بخبر الواحد * وأما بطلان الملك لا يثبت بخبر الواحد وليس من ضرورة ثبوت الحرمة بطلان الملك فتثبت الحرمة مع بقاء الملك * بخلاف ما تقدم لأن بقاء النكاح لا يتصور مع ثبوت الحرمة المؤبدة * فإذا لم يبطل النكاح بخبر الواحد لا تثبت الحرمة وإذا ثبتت الحرمة مع بقاء ملك اليمين ههنا لا يمكنه الرد على بائعه ولا أن يحبس الثمن عن البائع إذا لم يبطل البيع * ولو أنه لم يشتر اللحم ولكن الذي كان اللحم في يده أذن له بالتناول فأخبره مسلم ثقة أنه ذبيحة مجوسي لا يحل