رجل أراد أن يحرق حصائد أرضه فأوقد النار في حصائده فذهبت النار إلى أرض جاره وأحرق زرعه لا يضمن إلا أن يعلم أنه لو حرق حصائده تتعدى النار إلى زرع جاره لأنه إذا علم ذلك كان قاصدا إحراق زرع الغير، قالوا إن كان زرع غيره يبعد من حصائد الذي أحرق وكان يؤمن أن لا يحرق زرع جاره ولا يطير شيء من ناره إلا شرارة أو شرارتان فحمل الريح ناره من أرضه إلى أرض جاره فأحرقت زرع الجار وكدسه لا يضمن فأما إذا كان أرض جاره قريبا من أرضه بأن كان الزرعان ملتفين أو قريبا من الالتفاف على وجه يعلم أن ناره تصل إلى زرع جاره يضمن صاحب النار زرع الجار، وكذلك رجل له قطن في أرضه وأرض جاره لصيقة بأرضه فأوقد النار في طرف أرضه إلى جانب ذلك القطن ويعلم أن مثل هذه النار تحرق هذا القطن فأحرقت ذلك القطن كان ضمان القطن على الذي أوقد النار لأنه إذا كان يعلم أن ناره تتعدى إلى القطن كان قاصدا إحراق القطن، رجل له هدف في داره فرمى إلى الهدف فجاوز سهمه داره فأفسد شيئا في دار رجل آخر أو قتل نفسا كان ضامنا ويكون ضمان المال في مال الرامي ودية القتيل على عاقلة الرامي، رجل أوقد في تنوره نارا فألقى فيه من الحطب ما لا يحتمله التنور <251\3> فاحترق بيته وتعدى إلى دار جاره فاحترق يضمن صاحب التنور كما لو أرسل في أرضه ماء لا تحتمله أرضه فتعدى إلى أرض غيره فأفسد ما فيه من الزرع كان ضامنا، وإن كان يعلم أن أرضه تحتمل ذلك الماء لا يضمن، رجل مر بنار في ملكه أو في غير ملكه فوقعت شرارة من النار على ثوب إنسان قال الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل رحمه الله تعالى يضمن لأنه لم يتخلل بين حمل النار والوقوع على الثوب واسطة فيكون مضافا إليه حتى لو طارت الريح بشرارة النار فألقته على ثوب إنسان لا يضمن لأنه غير مضاف إليه وهكذا ذكر في النوادر عن أبي يوسف رحمه الله تعالى، وقال بعض العلماء إن مر بالنار في موضع له حق المرور فوقعت شرارة في ملك إنسان أو ألقتها الريح لا يضمن وإن لم يكن له حق المرور في ذلك الموضع فالجواب فيه يكون على التفصيل إن وقعت منه شرارة يضمن وإن هبت به الريح لا يضمن وهذا أظهر وعليه الفتوى، وكذا لو وضع جمرة في الطريق فاحترق بذلك شيء ضمن ولو هبت به الريح إلى موضع آخر فأحرقت شيئا في غير الموضع الذي وضعها فيه قال الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة السرخسي رحمه الله تعالى إذا وضع الجمرة في الطريق في يوم ريح يكون ضامنا، وذكر شمس الأئمة الحلواني رحمه الله تعالى في كتاب الشرب إذا وضع جمرة في الطريق أو مر بنار في ملكه أنه لا يضمن وأطلق الجواب فيه، وذكر الناطفي رحمه الله تعالى رجل أوقد نارا في طريق العامة فجاء الريح ونقلها إلى دار رجل آخر وأحرقها لا يضمن وعلل وقال لأن جنايته قد زالت، وذكر في الجنايات من الأصل مسألة تدل على صحة ما قال الناطفي رحمه الله تعالى أن جنايته قد زالت، حداد ضرب حديدا على حديد محمى فانتزعت شرارة من ضربه فوقعت على ثوب رجل يمر في الطريق وأحرقت ثوبه ضمن الحداد، وذكر الناطفي رحمه الله تعالى حداد يجلس في دكانه اتخذ في حانوته كيرا يعمل به والحانوت إلى جانب طريق العامة فأوقد الحداد في كيره نارا على حديدة له ثم أخرج الحديد فوضعه على علانه وضربها بمطرقة فتطاير ما يتطاير من الحديدة المحماة وخرج ذلك من حانوته وقتل رجلا أو فقأ عين رجل أو أحرق ثوب إنسان أو قتل دابة كان ضمان ما تلف بذلك من المال أو الدابة في مال الحداد ودية القتيل والعين تكون على عاقلته لأن ما طار من دق الحداد وضربه فهو كجنايته بيده لا عن قصد ولو لم يدق الحداد لكن احتملت الريح بعض النار من كيره أو الحديدة المحماة وأخرجته إلى طريق المسلمين فقتلت إنسانا أو أحرقت ثوب إنسان أو قتلت دابته كان هدرا، ولو هبت الريح بعمامة رجل فأوقعته على قارورة رجل فانكسرت القارورة لا يضمن صاحب العمامة، رجل مر في الطريق وهو يحمل حملا فوقع الحمل على إنسان فأتلفه ضمن، ولو عثر إنسان بذلك الحمل الواقع في الطريق وعطب ضمن <252\3> أيضا لأنه هو الذي وضع الحمل في ذلك الموضع إذا لم يتخلل بين وقوع الحمل في ذلك الموضع فعل غيره، ولو وضع جرة على حائط فسقطت على رجل فأتلفته لا يضمن الواضع إذا كان له حق الوضع على الحائط لأنه لا يكون متعديا، ولو وضع جرة في طريق المسلمين ورجل آخر وضع جرة في ذلك الطريق فتدحرجت إحداهما فكسرت الأخرى ذكر في الأصل أنه لا ضمان على الذي تدحرجت جرته لأن جنايته قد زالت فبرئ عن الضمان، وإن انكسرت التي تدحرجت كان ضمانها على صاحب الجرة القائمة لأنه كان متعديا في الوضع ولم تزل جنايته، ولو أوقف رجل دابته في الطريق ورجل آخر كذلك فنفرت إحداهما وهربت فأصابت الأخرى لا يضمن صاحب الهاربة لأن جنايته قد زالت، ولو تلفت الهاربة بالأخرى كان ضمان الهاربة على صاحب الأخرى لما قلنا في الجرتين وقال الشيخ الإمام أبو بكر البلخي رحمه الله
فتاوى قاضيخان · الجزء ٣ · الصفحة ١٣٤
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
فتاوى قاضيخانج ٣ · ص ١٣٤
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي