الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه وإن لم يجد شيأ من ذلك كانت النجاسة مغلوبة، ولو صب الخمر في قدح من الماء أو في ماء راكد يخلص بعضه إلى بعض لا يحل شرب ذلك الماء لأنه ماء قليل وقعت فيه النجاسة فيتنجس كما لو وقع فيه بول فإن شربه فإن كان لا يوجد فيه طعم الخمر ولا يوجد لونها <225\3> ولا ريحها لا يحد وإن كان يوجد شيء من ذلك يحد لأن الماء مغلوب فكان هو شارب الخمر ولأن الفسقة يشربون الخمر هكذا فلو لم يحد يمتنع حد الشرب في عادة الفسقة، ولو طرح في الخمر ريحان يقال له سوسن حتى يأخذ الخمر رائحته ثم يباع فإنه لا يدهن بها ولا يتطيب بها ولا يجوز بيعها وإن لم يبق رائحة الخمر لأنه خمر فلا ينتفع بها ولا يجوز بيعها ولا يملك ثمنها، ويجوز بيع ورق الريحان كما يجوز بيع الثوب النجس ويكره للمرأة أن تمتشط بخمر لأن الإنتفاع بالخمر حرام بجميع الوجوه قال عليه الصلاة والسلام إن الذي حرم شرب الخمر حرم بيعها والإنتفاع بها وكذا لا يسقى الدواب بها ولا يبل بها الطين لأنها انتفاع بها فإن سقى شاة وذبحها من ساعته أكل لحمها لأن الخمر في مثل هذا لا يؤثر في اللحم، ولو اعتادت بشرب الخمر وصارت بحال يوجد ريح الخمر في لحمها أو تكون جلالة فتحبس عشرة أيام والدجاجة ثلاثة أيام والبعير شهرا والبقر عشرين يوما ثم يذبح فيؤكل، وذكر في بعض الروايات أن الشاة إذا كانت تأكل النجاسات تحبس أربعة أيام والبقر والبعير عشرة أيام، وذكر الكرخي رحمه الله تعالى عن أصحابنا أنه لا يحل للإنسان أن ينظر إلى الخمر على وجه التلهي وأن يبل منها الطين ويسقي بها الحيوان، وكذلك الميتة لا يطعمها كلابه لأن ذلك انتفاع بها، قطرة من خمر وقعت في خابية فيها ماء ثم صب ذلك الماء في دن من الخل قال أبو نصر الدبوسي رحمه الله تعالى يفسد الخل بوقوع الماء النجس والماء لا يتخلل فيبقى نجسا، وقال بعضهم لا يفسد الخل وهو الصحيح لأن الماء ما كان نجسا لعينه بل لمجاورة الخمر فإذا تخلل الخمر بوقوعه في الخل زالت المجاورة فيعود الماء طاهرا كالرغيف إذا وقع في خمر ثم في خل يطهر، وكذا الرغيف إذا خبز بخمر ثم وقع في الخل، الثوب إذا وقع في خمر ثم في خل فإنه يطهر بخلاف الدقيق إذا عجن بخمر وخبز فإنه يكون نجسا ولا يطهر لأن ما في العجين من أجزاء الخمر لم يصر خلا بالخبز فلا يطهر، رجل خاف على نفسه من العطش يباح له أن يشرب الخمر بقدر ما يندفع به ذلك العطش عندنا إن كان الخمر يرد ذلك العطش كما يباح للمضطر تناول الميتة والخنزير، وكذا لو أكره على شرب الخمر يباح له أن يشرب ولو صبر ولم يشرب الخمر حتى قتل كان آثما وكذا لو غص وخاف على نفسه من ذلك ولا يجد ما يزيله إلا الخمر يباح له شربها، وكذا إذا شرب للعطش المهلك يباح له لدفع العطش وإن كان يزيد به العطش في الثاني إلا أنه لا يشرب إلا مقدار ما يكفيه ويرويه ولا يشرب الزيادة على الكفاية كالمضطر إذا وجد ميتة يباح له منها مقدار ما يسد رمقه ولا يأكل الزيادة على ذلك فلو أن المضطر يشرب من الخمر مقدار ما يرويه فسكر لاحد عليه لأن السكر حصل بالمباح لأن الشرب منها مقدار ما يكفيه مباح فلا يجب به الحد فإن شرب مقدار ما يرويه وزيادة ولم يسكر قالوا ينبغي أن يلزمه الحد كما لو شرب هذا القدر حالة الاختيار ولم <226\3>يسكر، رجل خاف على نفسه من العطش ومع رفيقه ماء كثير فأبى أن يعطيه فإنه يقاتله بما دون السلاح ولا يقاتله بالسلاح كما لو منع منه الطعام حالة المخمصة هذا إذا كان الماء مع الرفيق كثيرا فإن لم يكن كثيرا فهو على وجهين أحدهما أن يكون الماء مقدار ما يرد رمقهما أو كان لا يكفي إلا لرمق أحدهما فإن كان يكفي لرد رمقهما كان للمضطر أن يأخذ منه البعض ويترك البعض وإن كان لا يكفي إلا لأحدهما فإنه يترك الماء على المالك، رجل عليه دين فقضاه من ثمن الخمر إن كان الغريم مسلما لا يحل أخذ ذلك منه وإن كان الغريم ذميا يحل لأن الغريم إذا كان مسلما لا يملك ثمن الخمر فلا يحل به قضاء الدين وأما إذا كان ذميا ملك ثمن الخمر فيصح به قضاء الدين، خمر وقع في حنطة كره أكلها قبل أن تغسل لأنها تنجست فإن غسلت وطحنت إن كان لا يوجد فيه طعم الخمر ولا ريحها لا بأس بأكلها هذا إذا لم تكن الحنطة منتفخة فإن كانت منتفخة قال أبو يوسف رحمه الله تعالى تغسل ثلاث مرات وتجفف كل مرة فتطهر، وقال محمد رحمه الله تعالى لا تطهر أبدا، واللحم إذا تنجس قال أبو يوسف رحمه الله تعالى يغلى ثلاث مرات بماء طاهر ويبرد في كل مرة فيطهر، وقال محمد رحمه الله تعالى لا يطهر أبدا ويكره الاحتقان والاكتحال بالخمر وكذا الإقطار في الإحليل وأن يجعل في السعوط فالحاصل أن لا ينتفع بالخمر إلا أنها إذا تخلل فينتفع به سواء صار خلا بالمعالجة أو بغير المعالجة عندنا خلافا للشافعي رحمه الله تعالى.
وأما الشراب الثاني من العنب فهو الباذق