تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الاتجاه القويم، أي أننا حين يراد منا أن نعود اليوم إلى هذا النموذج لابد أن نقفز قفزة هائلة فوق الجزء الأكبر من التاريخ العربي الإسلامي ونعود إلى أول فتراته، ونُسقط من حسابنا جزءاً كبيراً من الزمن الذي يفصل بيننا وبين هذا العصر الأول. هذا الانقطاع وهذه القفزة فوق فترة زمنية طويلة تُسقط شرطاً أساسياً من شروط الأصالة وهو "الاستمرار"، فصحيح أن العصر الذي يُراد منا أن نقتدي به ينتمي إلى جذور تاريخنا البعيد، ولكنه لم يظل ممتداً على نحو متصل حتى وقتنا الراهن، فنحن في حالة النموذج الإسلامي نعترف صراحة بالانقطاع؛ حتى نقول إننا تنكبنا طريق السلف الصالح منذ القرون الأولى، أي: أن معظم فترات تاريخنا كانت خروجاً على النمط الأول، ونحن نعلم أن الأصالة في نسب إنسان أو فرس إنما تعني أن يكون هذا النسب مستمراً أو متصلاً من فترة معينة في الماضي حتى الوقت الحاضر، ولو حدث أي انقطاع في النسب خلال هذا المسار لما عاد هذا أو ذاك أصيلاً. وهكذا نجد لزاماً علينا أن نعيد النظر في موقف أولئك الذي يحددون الأصالة بأنها العودة إلى جذورنا الضاربة في أعماق الماضي، فحدوث انقطاع أساسي بين الحاضر وهذا الماضي البعيد يؤدي إلى الإحساس بنوع من "الاغتراب" بين الإنسان وجذوره البعيدة، وكما أننا في محاكاة النماذج الأجنبية المعاصرة نشعر باغتراب "مكاني" لأن هذا النماذج دخيلة علينا تنتمي إلى بقاع تفصلنا عنها مسافات مادية ومعنوية كبيرة، فكذلك نشعر باغتراب "زماني" حين يُطلب إلينا أن نقفز فوق الزمن قفزة هائلة ونتجاهل معظم فترات تاريخنا، ونقتدي بنموذج قديم في ظروف أصبحت مختلفة عنه كل الاختلاف، وفي عالم لا تربطه بعالم الأسلاف أية صلة، في الوقت الذي نعترف فيه صراحة بأن الخيط الذي كان مفروضاً أن نظل ممسكين به من ذلك العصر الذهبي القديم قد انقطع منذ أمد بعيد" (1).

-ويصور فؤاد زكريا موقف أصحاب المنهج السلفي -الماثل الآن في الصحوة الإسلامية- من العلم المعاصر بصفة خاصة كما يلي:

I- أنهم يرون تضاداً وعداءً بين العلم الحديث ومتطلبات الإيمان كما يتصورونها هم (2)، وأنهم لم يستطيعوا أن يقيموا التعايش بين العلم والإيمان، ولذا فهم يلجأون إلى جعل العلم ينبثق عن الدين، أو إعطائه مكانة بمقاييس دينية (3).

II- أنهم ينكرون السببية ويطعنون في مبدأ الحتمية (4)، لأن القول بها يعني -في نظرهم- الحد من القدرة الإلهية.

V- أنهم يُدينون العلم الحديث، لأنه -في نظرهم- مادي وغير يقيني ويتعارض مع روحانية الإسلام (5).

VIII- أنهم "يلجأون إلى استغلال أية ضعف في العلم سواء في منهجه أم في بنائه أم في نتائجه من أجل تأكيد ضرورة الاقتصار على الإيمان الديني الذي هو المصدر الوحيد لليقين أمام حقائق علمية مهتزة وغير مؤكدة" (6).

هـ- أنهم يقعون -دون وعي- في موقف شديد التناقض، حيث يرفضون العلم الغربي الحديث، ثم لا يجدون أية غضاضة من استخدام أحدث منتجات هذا العلم في حياتهم اليومية (7).

-أما علاقة "السلفية" بالتاريخ وارتباطها بالواقع البشري، ففؤاد زكريا من "الذين يصفون (السلفية) باللاتاريخية من حيث مذهبيتها التي تتعالى على الواقع

(1) المرجع السابق ص 99 - 100.

(2) انظر: خطاب إلى العقل العربي في الصفحات: 58،59، 64، 65،69.

(3) انظر: المرجع السابق ص 70.

(4) انظر: المرجع السابق في الصفحات: 59، 60، 64، 65.

(5) انظر: المرجع السابق ص 61، 65، 68.

(6) المرجع السابق ص 68.

(7) انظر: المرجع السابق ص 70.

نظرات شرعية في فكر منحرف · الصفحة ١٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

نظرات شرعية في فكر منحرفص ١٢٩