تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

القرآن، وبمجيء الإسلام تكون البشرية قد بلغت سن الرشد واستُكمل كل ما كان ينقص الرسالات السابقة. وهكذا ينطوي الإسلام على عقيدة أساسية هي أنه دين البشرية التالية كلها، وتعاليمه هي أعلى قمة للتشريع والأخلاق والحكمة يمكن أن يهتدي بها الإنسان. في وضع كهذا كيف يمكن أن يوصف التاريخ التالي للبشرية، أعني: تاريخها الذي أعقب وصولها إلى تلك القمة؟ لن يكون هذا التاريخ في واقع الأمر سوى شروح على متن هو الوحي في صورته المكتملة ... وفي إطار وجهة نظر كهذه كيف يمكن أن يكون للمستقبل دور جوهري في فكر الإنسان المسلم؟ إن مسار التاريخ بعد الإسلام إما أن يكون تدهوراً، وإما أن يكون - على أحسن الفروض- محاولة دائمة للعودة إلى الإشعاع الأول، وفي كلتا الحالتين لا ينطوي المستقبل على جديد، ولا يمثل تطور البشرية خطاً صاعداً إلى أعلى. وربما تصور المؤمن المتمسك بحرفية عقيدته أن الأمل في مستقبل أفضل من أي شيء عُرف في الماضي ينطوي على نوع من التجديف، إذ يتضمن الاعتقاد بأن التاريخ سيبلغ يوماً ما نقطة تعلو على المستوى الذي بلغه عند نزول الوحي، وهو أمر ممتنع بالنسبة إلى عقيدة اكتمل بها رشد الإنسان، أعني: عقيدة يستحيل -بحكم تعريفها ذاته- أن يتم تجاوزها في أية لحظة لاحقة من تاريخ البشر" (1). وقوله: "لقد كان من الطبيعي أن تؤدي النظرية التي ترى في الوحي أعلى قمة بلغتها الحكمة والشريعة في أي عصر -تؤدي إلى فلسفة للتاريخ ترى في مسار البشرية بعد عصر الوحي الأول تدهوراً، وتُعلق أقصى الآمال على التشبه بهذا العصر الأول، أما تجاوزه فمحال. تلك هي الصورة التي اتخذتها فكرة "العصر الذهبي المجيد" في العالم الإسلامي، مع ملاحظة أن هذا العصر الذهبي ليس عصر أمجاد بشرية، بل هو ذلك الذي تحققت فيه أرقى صورة من اتصال الألوهية بالإنسانية، في وحي يمثل كلمة الله الحرفية والمباشرة.

(1) الصحوة الإسلامية في ميزان العقل ص 85 - 86.

نظرات شرعية في فكر منحرف · الصفحة ١٢٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

نظرات شرعية في فكر منحرفص ١٢٦