الخلاف في هذه المسألة ونظيراتها ليس وارداً أصلاً لا من قريب أو بعيد، لأن ما ارتكبه المتبعون للمتنبئين يصادم قطعية من قطعيات الشريعة، وأصل من أصولها التي لا يثبت الإسلام لأحد إلا باعتقادها والإقرار بها، ولا يدخل إليه إلا من بابها، وهي شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً - صلى الله عليه وسلم - رسول الله، وهذا ما يجعل أمر القطع والجزم في هذا الموضع مقصوراً عليها ومحصوراً فيها.
فما دامت هناك قرائن خارجية هي التي صّيرت إجماع الصحابة على تكفير أتباع المتنبئين إجماعاً قطعياً، فهل يستطيع أحد أن يثبت وجود تلك القرائن في حق أنصار الحكام المرتدين فضلاً عن القطع بها، وهذا كله لو سلمنا أن دلالة الإجماع المذكور شاملة لكل من ناصر إماماً من أئمة الردة، فكيف والحال على خلاف ذلك تماماً.
الثاني: وهو الاحتمال الثاني في قوله: (وإجماع صريح)، أي أنه صريح الدلالة على تكفير أنصار الطواغيت الممتنعين على التعيين، وهذا أقرب الاحتمالين في مراده، وقد بينا مراراً وتكراراً أن الإجماع المنعقد ـ على التسليم بصحة دلالته ـ إنما هو على تكفير أتباع المتنبئين وهذا من البدهيات لدى كل مسلم والله أعلم.
الخطأ الرابع:
قال الشيخ عبد القادر: (كيف يعرف الإجماع؟: قال الخطيب البغدادي - رحمه الله- (اعلم أن الإجماع يعرف بقول وبفعل، وبقول وإقرار، وبفعل وإقرار، فأما القول: فهو أن يتفق قول الجميع على الحكم بأن يقولوا كلهم هذا حلال أو حرام، وأما الفعل: فهو أن يفعلوا كلهم الشيء وأما القول والإقرار: فهو أن يقول بعضهم قولاً وينتشر في الباقي فيسكت عن مخالفته، وأما الفعل والإقرار: فهو أن يفعل بعضهم شيئاً ويتصل بالباقين فيسكتوا عن إنكاره) [الفقيه والمتفقه] للبغدادي ... من هنا تعلم أن إجماع الصحابة في مسألتنا هذه - حكم أنصار الطواغيت - هو إجماع صحيح إذ أجمع عليه جميعهم، وأنه قد ثبت بالقول وبالفعل وبالإقرار، أما القول: فهو قول أبي بكر (وتكون قتلاكم في النار) ووافقه عمر وتتابع القوم على قول عمر كما في حديث طارق بن شهاب، وأما الفعل: فهو أن الصحابة قاتلوهم جميعاً على صفة واحدة وهي صفة قتال أهل الردة - كما سبق بيانه في أكثر من موضع - ولم يفرقوا بين تابع ومتبوع، وأما الإقرار: فهو أنه لا يعرف مخالف أو منكر من الصحابة فيما ذكرناه، والخلاصة: أن إجماع