وكذلك الأمر في التورق، فإذا كان من المحظور شرعاً الحصول على النقد بقرض ربوي أو ببيع العينة الذي هو حيلة ربوية، فإن من السائغ في النظر الفقهي الحصول عليه بطريق التورق، لأن قصد الحصول على النقد للتوسع فيه، أو لوفاء دين حال، أو لأية حاجة أخرى أمر جائز كأصل شرعي، إذا تم ذلك أثراً لعقد معاوضة جائز، كعقد السلم، أو نتيجة لعقدين مستقلين مع طرفين مختلفين، كل واحد منهما جائز صحيح بمفرده كمسألة التورق، حيث إن الإقراض الربوي صراحة أو حيلة – كما هو في العينة – منتفٍ فيها. وقد بين العلامة محمد الطاهر ابن عاشور هذه القضية بقوله: "اسم التحيل يُفيد معنى إبراز عمل ممنوع شرعاً في صورة عمل جائز، أو إبراز عمل غير معتد به شرعاً في صورة عمل معتد به، بقصد التفصّي من مؤاخذته، فالتحيل شرعاً ما كان المنع فيه شرعياً، والمانع الشارع. فأما السعي إلى عمل مأذون بصورة غير صورته، أو بإيجاد وسائله، فليس تحيلاً، ولكنه يُسمى تدبيراً أو حرصاً أو ورعاً" (1) .
الدليل الثالث:
محرم ربيع ثان ذو القعدة ? عدم صحة قياس التورق على العينة، وذلك لانتفاء علة تحريم العينة – وهي كونها ذريعة إلى القرض الربوي – فيه، إذ في العينة عندما يسترجع البائع سلعته، تكون كأنها لم تخرج من يده قط، ويكون وجودها في البيع كعدمها، ويكون توسطها عبثاً، ويؤول الأمر إلى دفع مبلغ من المال لآخر في أكثر منه من نوعه إلى أجل، وهو ربا النسيئة. أما في التورق، فإنه لا يحصل للبائع شيء، لأن السلعة لا تعود إليه أصلاً، بل تنتقل بعقد مستقل إلى مشترٍ جديد، لا علاقة لشرائه بالبيع الأول. وعلى ذلك يكون قياس البائع في مسألة التورق على المُقرض بالربا حيلة في العينة قياساً مع الفارق، ولا وجه لصحته.
(1) ) ... مقاصد الشريعة الإسلامية لابن عاشور ص 110.