يقول أحد كبار رموز التخطيط الاستراتيجيّ للولايات المتّحدة الأميركيّة، المستشرق المعاصر"برنارد لويس": «لقد كانت عادتنا الّتي تعوّدناها في العالم الغربيّ هي: كلّما اتّجه الشرقيّون إلينا كلّما ازداد تمسُّكنا بالغرب لنجعل أنفسنا مثالاً للفضيلة والتقدُّم. فإذا تشبّهوا بنا عددنا ذلك أمراً حسناً وإذا لم يكونوا كذلك عددنا ذلك سوءاً وشرّاً. فالتقدّم هو في التشبّه بنا، أمّا إذا لم يقتدوا بنا فذلك هو التقهقر والاضمحلال!! إلاّ أنّ الأمر ليس كذلك بالضرورة. فعندما تصطدم حضارتان تسيطر إحداهما وتتحطّم الأخرى. قد ينبري المثاليّون والمفكّرون فيتحدّثون بطلاقة وسهولة عن تزاوج بين أحسن العناصر من الحضارتين، إلاّ أنّ النتيجة العاديّة في هذا التلاقي هي تعايش بين أسوء العناصر من الاثنين».(1)
لقد ظهر في السنين الأخيرة،مع ظهور شعار العولمة الّذي رفعته الولايات المتّحدة الأميركيّة، أنّ الحضارة الغربيّة تريد أن تجعل من نفسها حضارة العالم الوحيدة، الّتي تصوغ حياة جميع شعوب الأرض. فلقد انتهى التاريخ كما يرى "فرانسيس فوكوياما"، ووصل إلى هدفه الأخير، حيث على البشر جميعاً في هذه المعمورة أن يصبحوا مجتمعاً واحداً، يعيش وفق طراز أكثر حضارات التاريخ تقدُّماً، وهذه هي الحضارة العالميّة!!
إنّ هذه الموجة الغربيّة العارمة الّتي تريد إغراق العالم في بحر حضارتها، تستدعي من كلّ مؤمن بحضارته غيور عليها، بل من كلّ من لمس فساد الحضارة الغربيّة على الأقلّ، أن يعيد النظر في تلك المقولات "الذرائع" الّتي اتّخذها الغرب سلاحاً في غزوه للعالم. وأبرز تلك الذرائع ذريعة "تفاعل الحضارات".
(1) - برنارد لويس – الغرب والشرق الأوسط – تعريب نبيل صبحي – بيروت – د.ت – ص60