تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كما أنّه حاول، بثقافته الموسوعيّة، إزالة التناقض الّذي كان ظاهراً بين الفقه والفقهاء من جهة والتصوّف من جهة أخرى. فبعد أن كان الخطّان متباعدين متميّزاً الواحد منهما عن الآخر، «حاول الغزاليّ في أواخر القرن الخامس أن يجمع بينهما. وعلى هذا الأساس ألّف كتاب "إحياء علوم الدين"، فدعا فيه إلى المحافظة على الشريعة الظاهرة، من صوم وصلاة وزكاة وحجّ، كما دعا إلى أنّها لا قيمة لها ما لم تُدعم بالنيّة الحسنة، وواجب تطهير الظاهر كما يجب تطهير الباطن. وكان له فضل كبير في إزالة العداء بين الفقهاء والصوفيّة»(1).

ولكن، هل نستطيع القول: إنّ الغزاليّ وصل إلى تصوّف بريء من التأثير الأجنبيّ وبعيد عن "الغنوص"، وإنّه وضع تصوّفاً سنّيّاً؟!

يطرح"عليّ سامي النشّار" هذا «السؤال الهامّ: هل استطاع الغنوص النفاذ إلى مفكّري الإسلام؟ أو بمعنى أدقّ: هل تمكّن –في صورة معدّلة مخفّفة، وتحت الستار السنّيّ– أن يجذب إليه أكبر أعدائه "أبا حامد الغزاليّ"؟ إنّ عدداً من الباحثين، قدامى ومحدثين، انتهوا إلى هذا الرأي، واتّهموا حجّة الإسلام العظيم أنّه سقط "ضحيّة الغنوص" في كتبه "مشكاة الأنوار" و"معراج القدس" و"المضنون به على غير أهله"،وأنّه "باع الفقه بالتصوّف" كما يقول ابن الجوزيّ». إلاّ أنّه يعقّب بالردّ فوراً، فيقول: «وهذا خطأ، فالغزاليّ خاض كلّ ما عرف العالم الإسلاميّ من علوم ومعارف، وتقلّب فيها باحثاً مفسّراً معلّقاً، وأصابه من كلّ شيء رذاذ، وليس كلّ التصوّف غنوصاً، بل فيه الكثير من تفسير القرآن تفسيراً ذوقياً، لا عقليّاً ولا سمعيّاً»(2).

(1) - ظهر الإسلام – ج2 – ص 62

(2) - نشأة الفكر الفلسفي – ج1 – ص 211

نشوء الحضارة الاسلامية · الصفحة ٢٧٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

نشوء الحضارة الاسلاميةص ٢٧٢