تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلاّ أنّ الإمام "الغزاليّ" يتابع مسيرة تهذيب التصوّف ونفي أفكار "الاتحّاد والحلول" و"وحدة الوجود" منه. فهو يصرّح أنّ هناك من أدعياء التصوّف من ضلّ عن سواء السبيل، فيهاجم من «يدّعي علم التصوّف ويزعم أنّه قد بلغ مبلغاً ترقّى به عن الحاجة إلى العبادة»، ويرى أنّ «هؤلاء هم الّذين ضلّوا عن التصوّف»(1). وفي كتابه"الإحياء" يقول: «إلاّ أنّ أكثر متصوّفة هذه الأعصار –لمّا خلت بواطنهم عن لطائف الأفكار ودقائق الأعمال ولم يحصل لهم أنس بالله تعالى وبذكره في الخلوة وكانوا بطّالين غير محترفين ولا مشغولين– قد ألفوا البطالة واستثقلوا العمل، واستوعروا طريق الكسب واستلانوا جانب السؤال والكدية،واستطابوا الرباطات المبنيّة لهم في البلاد، واستسخروا الخدم المنتصبين للقيام بخدمة القوم واستخفّوا عقولهم وأديانهم، من حيث لم يكن قصدهم من الخدمة إلاّ الرياء والسمعة وانتشار الصيت واقتناص الأموال بطريق السؤال تعلّلاً بكثرة الأتباع، فلم يكن لهم في الخانقاهات حكم نافذ، ولا تأديب للمريدين نافع، ولا حجر عليهم قاهر، فلبسوا المرقّعات واتّخذوا في الخنقاهات متنزّهات، وربّما تلقّفوا ألفاظاً مزخرفة من أهل الطامّات، فينظرون إلى أنفسهم وقد تشبّهوا بالقوم في خرقتهم وفي سياحتهم وفي لفظهم وعبارتهم وفي آداب ظاهرة من سيرتهم، فيظنّون بأنفسهم خيراً، ويحسبون أنّهم يحسنون صنعاً»(2).

(1) - المصدر السابق – ص 61

(2) - إحياء علوم الدين – ج2 – ص 250

نشوء الحضارة الاسلامية · الصفحة ٢٧١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

نشوء الحضارة الاسلاميةص ٢٧١