الّذي خلقه الإنسان في محيطه وهي الّتي تحدّد الأساليب الحياتيّة، أو هي طريقة في التفكير والشعور والمعتقدات، إنهّا معلومات الجماعة البشريّة مخزونة في ذاكرة أفرادها أو في الكتب أو في الموادِّ والأدوات»(1). «وخلاصة القول: يُلاحظ أنّ هناك تداخلاً كبيراً في تناول الفكر الأوربّي لمفهوم "Civilization"، فهناك من جعل المفهوم مرادفاً لمفهوم "Culture" مثل تايلور، وهناك من جعله قاصراً على نواحي التقدّم المادّيّ من آلات ومؤسّسات واختراعات… وهناك من جعله شاملاً لكلّ نواحي التقدّم. وهناك من قصر المفهوم على نواحي التقدّم الخاصّة بالفرد، وهناك من رأى أنّها تشمل الفرد والجماعة، وهناك من رأى أنّها مفهوم عالمي –أي أنّ هناك "Civilization" واحدة دائماً وأنّ كلّ المجتمعات تساهم فيها بنصيب ما– أمّا "Culture" فهي خاصّة بكلّ شعب، وهناك من رأى العكس»(2).
وهكذا نرى أنّ هذين المصطلحين تزاحما في الثقافة الأوربّيّة للدلالة على معنى مشترك إلى حدّ كبير، وهو مجموعة الخصائص الفكريّة والتشريعيّة والشعوريّة الّتي تسِم مجتمعاً ما بنمط معيّن من العيش. وقد حرصتُ على إيراد هذين المصطلحين (Civilization و Culture) باللغات الأوربّيّة لأنّه لم يكن هناك اتّفاق بين الكتّاب والمؤلِّفين العرب على وجه ترجمتهما. وهذا ما يدفعنا الآن للانتقال إلى وجوه استعمال تلك المصطلحات في الثقافة العربيّة المعاصرة.
فبينما تزاحم هذان المصطلحان في اللغات الأوربّيّة، نجد في الكتابات والمؤلَّفات والترجمات العربيّة ثلاثة مصطلحات تقوم بهذا الدور، ألا وهي : "الحضارة والمدنيّة والثقافة".
(1) - نصر محمّد عارف - الحضارة ، الثقافة ، المدنيّة - المعهد العالمي للفكر الإسلاميّ ، فرجينيا - 1995م - ص 21
(2) - المرجع السابق – ص 39-40