وآخر قصة نسوقها في هذا الباب قصة ثلاثة من طلاب العلم في عهد ليس منا بعيد..يقول الراوي:"حدث أن حضر بعض طلاب العلم إلى القاهرة ليتلقوا العلم في الأزهر الشريف، وكان ثلاثة حضروا من بلاد المغرب أيام أحمد بن طولون، ونزلوا في مسجده،ولم يكونوا يعرفون أحداً في مصر، وقد حدث أن تسلل لص إلى حيث يقيم هؤلاء الغرباء فسرق ما معهم من مال، وأصبح ثلاثتهم في أزمة كبيرة (فهم لا يستطيعون العمل لانشغالهم بطلب العلم الذي جاءوا من أجله إلى مصر).. وجلسوا يتشاورون ماذا يفعلون، واتفقوا على أن يتولى كل واحد منهم سؤال الناس في يومه المخصص، واستطاع الأول أن يسأل الناس ليحصل منهم على قوت يومهم، فلما كان اليوم الثاني قال صاحب النوبة:أما أنا..فوالله لا أسأل إلا الله، وجلس يصلي (واستمر في صلاته من الصبح إلى الظهيرة)..وكان أحمد بن طولون نائماً في وقت الظهيرة، فرأى حلماً مفزعاً..رأى كأن فارساً يطعنه ويقول له: أتنام قرير العين والمحمديون في مسجدك يتضورون جوعاً؟!..فتعوذ الرجل من الشيطان ونام ثانية، ولكن أتاه الفارس وطعنه طعنة أقوى وهو يقول نفس الكلام الذي قاله أولاً، فهب ابن طولون وقال:إنه لابد أن يكون في الأمر شيء..وأرسل رسولاً ليستطلع الأمر في مسجده، وهناك رأى ثلاثة غرباء..فسألهم عن قصتهم، ورجع إلى ابن طولون يقص عليه قصهم، فأرسل ابن طولون على الفور ثلاث صرر في كل منها ألف درهم، وأرسل يقول لهم: إنكم تنزلون في مسجدي وتحت رعايتي ما دمتم في مصر"123.
فالأول سأل الناس فكفوه قوت يوم..أما الثاني فقد سأل الله فكفاهم مئونة سنين.. ?ومن يتوكل على الله فهو حسبه?(الطلاق:3)
10- الاستخارة
من عظمة هذا الدين أنه لا يكتفي ببث المعاني النظرية في نفوس أتباعه..بل يُلحقها دائماً بالتطبيقات العملية التي ترسخ هذه المعاني في القلوب وتجعلها واقعاً في الحياة.