تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا نبي الله إبراهيم- عليه السلام- يعلن أمام قومه أن الله عز وجل وحده هو الذي يملك من الإنسان ما لا يملك الإنسان من نفسه، فيقول- عليه السلام- متحدثاً عن ربه:?الذي خلقني..فهو يهدينِ? والذي هو يطعمني.. ويسقينِ? وإذا مرضتُ فهو يشفين? والذي يميتني.. ثم يحيينِ?(الشعراء:79).. فإذا كان هذا هو ربه فكيف يعبد غيره وكيف يتوكل على سواه؟!

ثم إن هذا لم يكن مجرد كلام يجادل به قومه.. ولكنه كان شعوراً يملأ عليه قلبه ونفسه.. ويتملك عليه كل كيانه.. والدليل على ذلك أنه لما أُلقي به في النار العظيمة الرهيبة التي يخافها الناس من مجرد رؤيتها فكيف بمن ألقي فيها.. وهو في طريقه إليها بعد أن قذفوه بالمنجنيق.. لم ينطق إلا بكلمة واحدة:"حسبي الله..ونعم الوكيل"111.. فكانت تعبيراً عن تفويضه الكامل إلى ربه..وكانت النتيجة نجاته بكلمة واحدة أيضاً..ولكنها من الوكيل سبحانه وتعالى:?يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم?(الأنبياء:69).

وهذا حفيده يعقوب- عليه السلام- يفقد أحب أولاده إليه ولا يعرف إليه طريقاً، بل لا يعلم إن كان حياً أم ميتاً.. فلا يزيد على قوله:?فصبر جميل..والله المستعان?(يوسف:18).. كانت حقيقة التوكل تملأ عليه كيانه.. فلم ييأس أبداً من رحمة الله.. حتى لما فقد ابنه الثاني (أخا يوسف) لم ينقطع أمله في الله.. بل على العكس زاد أمله في رحمة الله وقال:?عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً?(يوسف:83).. وهذا الأمر لا يتأتى إلا لمن عرف حقيقة التوكل على الله.

نصف الدين إياك نستعين · الصفحة ٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

نصف الدين إياك نستعينص ٥٥