ولو اعتنى هؤلاء القوم بميراثهم العربي الإسلامي الذي أغفلوه، لاكتشفوا في عمر بن الخطاب ما توصل إليه أبو عمرو الجاحظ في كتاب (العثمانية) وقد بدا له الرجل متعرباً. والمتعرب في لغة عصر الجاحظ هو محب العرب، والنافح عنهم كيد أعدائهم. ومانع السبي عن نسائهم. وراسم خارطتهم القومية الأولى. والمتعربون غير المستعربين، ولو كان دعاتنا متعربين لجعلوا عمر بن الخطاب سلفهم الصالح.
مستطرف الرعية
هموم العقيدة والكينونة البشرية
احترام الكرامة الإنسانية
كان لعمر والٍ على الحيرة يكثر من الهزل، وقد حدث مرة، أن دعا رجلاً، فأمال عليه بالطعام والشراب، مادعا به، فمسح بلحيته، فركب الرجل من العراق إلى المدينة ليشكو عمر قائلا: لقد خدمت كسرى وقيصر فما أتى إليّ ما أتى في مُلكك. قال: وماذاك؟ قال: نزل بي عاملك فلان فأملنا عليه بالطعام والشراب مادعا به، فاحتبس الهزل فدعاني فمسح بلحيتي. فأرسل إليه عمر، فقال: هيه؟ أمال عليك بالطعام والشراب مادعوت به ثم مسحت بلحيته؟.
والله لولا، أن تكون سُنَّةً ماتركت في لحيتك طاقة إلاّ نتفتها. ولكن اذهب فو الله لا تلي عملاً أبداً.
وأبلغ عمر أن قائداً عسكرياً كان يجمع رجاله ويطلب إليهم أن يخبروه بكل ذنب أذنبوه، وهم يعترفون بذنوبهم طاعة له، فقال عمر: ماله لا أم له يعمد إلى ستر ستره الله فيهتكه؟ والله لا يعمل لي أبداً.
وكتب عمر لرجل كتاباً بتعيينه والياً. فدخل الرجل عليه، فرأى بعض أولاد عمر في حجر أبيهم يُقبلّهم، فقال الوالي المرشح مستغرباً: تفعل هذا يا أمير المؤمنين؟ فو الله ما قبلّت ولداً لي قط!. فقال عمر: فأنت والله بالناس أقل رحمة، لاتعمل لي عملاً، وردّه، ولم يستعمله.. أي ألغى قرار تعيينه!.
وعزل قائداً عسكرياً أمر أحد جنوده أثناء فتح فارس بالنزول إلى النهر في يوم شديد البرد لينظر للجيش مخاضة يعبر منها، فتوفي الرجل بعد دخوله الماء، وكان عمر يتجول في سوق المدينة حينما بلغه الخبر، فاستدعى أمير الجيش، ووبَّخه قبل عزله.
إعفاء المعيل من خدمة العلم:
أعفى عمر بن الخطاب المعيل الوحيد لأبيه من الذهاب إلى الجهاد إلا بموافقة أبيه، وكان قانون التجنيد الإلزامي العراقي قد أخذ بهذا المبدأ بإطلاق، واستمر العمل به إلى أن استلم السلطة الرئيس صدام حسين فعطّل هذا الاستثناء العُمري الخلاّب، ومازال العمل مستمراً به في نظام التجنيد الإلزامي السوري حالياً.