تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سادساً: ربما كان مَنْعُك من الإجابة سبباً لوقوفك على باب الله عز وجل، والاستمرار في التضرع إليه واللجأ إليه، وربما لو أعطاك ما تريد لانشغلت به عن ربك ومولاك وتركت السؤال والدعاء - وهما مخ العبادة بذاتها - وهذا هو حال أكثرنا، بدليل أنه لولا هذه النازلة والبلاء ما رأيناك على باب اللجأ - على حد قول ابن الجوزي رحمه الله - فالبلاء المحض هو ما يشغلك عن الله، أما الذي يقيمك بين يديه ففيه خيرك.

وقد حكى ابن الجوزي عن يحيى البكاء: أنه رأى ربه عز وجل في المنام، فقال: (يا رب! كم أدعوك ولا تجبيني؟)، فقال: (يا يحيى! إني أحب أن أسمع صوتك).

سابعاً: أنه قد يكون في إجابتك حصولُ إثم أو زيادةُ ضررٍ لك في دينك أو فتنةٌ لك، أو يكون الذي تطلبه من الدعاء ظاهرهُ الخير لك وحقيقته الشر عليك - وخاصة لمن يترك الأدعية المأثورة ويطلب من الله شيئاً محدوداً -

وقد روي عن بعض السلف أنه كان يسأل الله الغزو، فهتف به هاتف: (إنك إن غزوت أُسِرْتَ، وإن أُسِرْتَ تَنَصَّرْتَ).

فعلى الأخ أن يهتم بجوامع الدعاء وأدعية القرآن والسنة، وكل ما سبق يذكرنا بقوله تعالى: ﴿ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولاً﴾.

ثامناً: إن لكل دعاءٍ قَدَراً وقَدْراً وليس من المعقول أن تدعوَ اليوم أن يقيم الله الخلافة الإسلامية الراشدة ثم تنتظر أن يحدث ذلك غداً، فإن لهذه الدعوة العظيمة وهذا الحدث الخطير؛ قَدَراً وقَدْراً، وشروطاً وأسباباً، ومقدماتٍ تتبعها نتائج، وعملٌ كثير وبذل عظيم، وتربية لجيل كامل يصنعه الله على عينه ويمكن له في الأرض تمكين هداية ورشاد.

فلا يُتَصَوَّرُ أن يدعو أحدنا بمثل هذه الدعوة اليوم لتحقق له بعد بضعة أيام! وقد ذكر بعض المفسرين أن بين دعاء موسى عليه السلام ﴿ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم وأشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم﴾، وبين إجابة الدعاء وقوله تعالى: ﴿قد أجيب دعوتكما﴾؛ أربعين عاماً كاملة.

فإذا فكرنا في هذا الأمر؛ أن الداعي هو موسى عليه السلام، وهو من أولي العزم من الرسل، والذي أمن على الدعاء هارون عليه السلام وهو نبي كريم، وقد استجمعا شروط الدعاء وآدابه، والمدعو عليه هو فرعون وملأه، وليس على وجه الأرض أظلم ولا أفسق ولا أكفر منهم، ورغم ذلك تأخرت الإجابة! إنه قَدَرُ وقَدْر هذه الدعوة بالذات، فهي ليست كغيرها من الدعوات، وهذه النقطة هامة جداً لمن تدبرها وتفكر فيها.

رسالة إلى كل من يعمل للإسلام · الصفحة ٥٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسالة إلى كل من يعمل للإسلامص ٥٠