تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بل إنك قد تجد أخاً يعمل في إحدى دول الخليج منذ أربع أو خمس سنوات مثلاً، ويعيش في رغد من العيش وترفٍ من الحياة، وهو يعلم تماماً ما يحتاجه العمل الإسلامي ويعلم ما يحتاجه إخوانه، بل ويعلم علم اليقين أن كثيراً من أسر المُبْتَلَينَ في الله - الذين يعدون بالآلاف كل حين - تحتاج إلى المساعدة، ولا يفكر رغم ذلك كله في أن يجاهد بماله في سبيل الله - حتى على الأقل عوضاً عن الجهاد بنفسه - طوال تلك السنوات، ولا يفكر حتى في مساعدة بعض أسر هؤلاء المجاهدين ليخلفهم في أهلهم بشيء من الخير! إنه لا يفكر في ذلك كله، وإذا ذكره أحد دفع بعض جنيهات لا تسمن ولا تغني من جوع، وردُّها عليه أفضل من قبولها، بل إنها لا تساوي ثمن الوقود الذي يشتريه لسيارته في يوم واحد!

إن الإسلام يريد ذلك الرجل الذي يعطي كل شيء لدينه؛ يعطي حياته ووقته وماله وجهده وروحه وبيته وسيارته وكل ما يملك، إننا نريد الرجل الذي يبيع نفسه لله بما تحمل هذه الكلمة من معانٍ، نريد الرجل الذي يكون له في كل يوم عطاء جديد للإسلام.

ألا ترى أن مصعب بن عمير؛ ذلك الشاب المرفَّه المعطَّر الذي كان يلبس أفخر الثياب، وتتمناه كل فتيات قريش - لجماله ووسامته وشرفه ونسبه - ألا ترى أنه حين أسلم؛ قدَّم كل شيء وأعطى كل شيء ولم يبخل بشيء، حتى لبس الثياب المرقعة حيِّاً، ولم يجدوا ما يكفنونه به وهو ميت، وهو في كل حياته تلك يحقق في كل يوم نصراً جديداً للإسلام في الدعوة والجهاد، فهو داعية الإسلام الأول في المدينة، وهو السبب في هداية أكثر أهلها، وهو واضع اللبنات الأولى في إقامة الدولة الإسلامية في المدينة، وهو في المقابل أيضاً المقاتل العظيم، وحامل اللواء في أحد، وهو من أعظم شهدائها، إنه العطاء الحق للإسلام والدين والجماعة المسلمة.

إن على كل مسلم أن يسأل نفسه بين الحين والآخر، كم هدى الله على يدي هذا الأسبوع؟ وكم قريةً ذهبت إليها داعياً إلى الله؟ هل دعوت أقاربي وجيراني ووالديَّ أم لا؟ وهل تقدمت خطوات نحو فهم الإسلام والعمل به وله؟ كم أنفقتُ من جملة مالي للمسلمين في سبيل الله هذا الأسبوع؟ وكم أسرة من أسر المُبتلَيْنَ أَعَنْتُهَا بنفسي أو مالي، مادياً أو معنوياً؟ وكم أسرة من أسر الشهداء قضيتُ حاجاتها؟ كم ليلةً بت فيها أفكر للعمل للإسلام عامة، أو في مدينتي أو قريتي خاصة، أو ما جاورها من مدنٍ وقرى؟ كم مرةً أمرتُ فيها بالمعروف أو نهيتُ عن المنكر؟ كم مرةً قاتلتُ فيها الأعداء - أعداء الإسلام - وأحدثت فيهم نكاية؟! كم مرةً ثأرتُ فيها لحدود الله ودافعت فيها عن المسلمين وعن دمائهم وأعراضهم؟ كم مرةً عدتُ مريضاً ودعوته للإسلام، أو أصلحتُ بين متخاصمين، أو زرتُ أخاً في الله، أو دعوته لله في هذا الأسبوع؟

إلى غير ذلك من الأسئلة التي يجب أن تحاسب نفسك عليها بين الحين والآخر، لتكشف من خلال إجاباتها الصادقة مدى تقصيرك في حق الله وتفريطك في حقه سبحانه وتعالى، وتتدارك هذا التقصير، قبل أن يعاقبك الله ويحرمك من شرف العمل لدينه وشرف الاندراج في سلك؛ ﴿أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني﴾، وفي سلك؛ ﴿من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله﴾.

تُرى لو أن عاملاً في مصنع كان لا يفعل شيئاً ولا ينتج شيئاً، وليس له عمل سوى أنه يوقع في دفتر الحضور صباحاً والانصراف آخر النهار، ويقضي وقته في المصنع وهو يتفرج على زملائه وهم يعملون بجد واجتهاد، ترى ماذا يفعل صاحب المصنع مع هذا العامل؟! إنه سيفصله من العمل فوراً.

رسالة إلى كل من يعمل للإسلام · الصفحة ٢٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسالة إلى كل من يعمل للإسلامص ٢٦