تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كيف يقوم الدين والإسلام ويعود إلى سالف مجده وعزه، دون عزمة كعزمة عمر بن عبد العزيز الذي أصلح الله به الأمة في عامين ونصف فقط، حتى قيل: إن الذئب قد تصالح مع الغنم في عهده! - وذلك ليس ببعيد ولا غريب إلا على من قل علمه بالله وسنته مع أولياءه -

فما أحوج الأمة الإسلامية إلى عزمة كعزمة عمر بن عبد العزيز، والذي كتب إليه أحد عماله يوماً يقول له؛ إن الإصلاحات المالية التي أدخلها الخليفة، والتي تحط الجزية عما أسلم من البربر، سوف تؤدي إلى قلة الخراج، فكتب إليه عمر: (والله لوددت أن الناس كلهم أسلموا، حتى نكون أنا وأنت حَرَّاثين نأكل من كسب أيدينا)، وقال مرة أخرى: (إن الله بعث محمداً، هادياً، ولم يبعثه جابياً).

ولأهمية هذه العزمة في دين الله كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ربه قائلاً: (اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد)، وذلك تعليماً لنا، وتربية وتأديباً للمسلمين عامة، وللعاملين للإسلام خاصة.

فلنحرص على هذا الدعاء العظيم مع تعاطي أسباب التوفيق التي تعين على تحقيقها.

إن الهمة العالية لَتَغْلي في قلوب أصحابها غليان الماء في القدر، وإنها لتستحث صاحبها على عظائم الأمور صباحَ مساء، حتى يقول كما قال الشافعي رحمه الله: (الراحة للرجال غفلةٌ).

ويجعل مبدأ حياته الشعر الذي كان ينشده الإمام الشافعي:

أنا إن عشت لست أعدم قوتاً وإذا مت لست أحرم قبراً

همتي همت الملوك، ونفسي نفس حرٍ ترى المذلة كفراً

ما أحوج رجالات الحركة الإسلامية إلى تلك الهمة العالية التي لا يقف أمامها مستحيل، ولا تمنعها من التقدم عقبات أو عوائق، مهما كانت.

ألا ترى كيف صنعت الهمة العالية بشقيقين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أصيبا في غزوة أحد إصابات شديدة، ولندع أحدهما يروي القصة، فليس هناك أبلغ من روايته في التعبير عن همتهما العظيمة.

قال: (شهدت أحداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأخ لي، فرجعنا جريحين، فلما أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج في طلب العدو، قلت لأخي - أو قال لي - أتفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! والله ما لنا من دابة نركبها وما منا إلا جريح سقيم، فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت أيسر جرحاً، فكان إذا غُلب حملته عقبة ومشي عقبة، حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون).

هذا مع العلم بأن حمراء الأسد - وهي المكان الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج إليه - تبعد عن المدينة ثمانية أميال!

بل إنني ما أعجبت بهمةٍ مثلما أعجبت بهمة ورقة بن نوفل! ذلك الشيخ الكبير الذي وهن جسمه، ورق عظمه، وانحنى ظهره، وابْيَضَّ شعره، هذا الرجل قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (لئن يُدْرِكْني يومُك انصرْك نصراً مؤزاً)، وأدنى رأسه وقبلها.

بل ذلك الشيخ في السن، والشاب في الهمة والروح كان ينشد شعراً عظيماً، بعد أن حدثته السيدة خديجة رضي الله عنها عن الرسول صلى الله عليه وسلم وصفاته، وذلك قبل نزول جبريل عليه السلام على الرسول الكريم، فقد كان ورقة يتمنى أن يدرك الوحي، وأن ينصر الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوته، فكان يقول:

لَججْتُ، وكنت في الذكرى لجوجاً لِهَمٍّ طالما بعث النشيجا

ووصفٍ من خديجةَ بعد وصفٍ فقد طال انتظاري يا خديجة

بِبَطْنِ المكّتين على رجائي حديثك أن أرى منه خروجاً

بما خَبَّرتنا من قول قسٍّ من الرهبان أكره أن يفوجاً

بأن محمداً سيسودُ فينا ويَخْصِمُ من يكونُ له حجيجاً

ويظهر في البلاد ضياء نور يقيم به البرية أن تموجاً

فيلقى من يحاربه خساراً ويلقى من يسالمه فلوجاً

فيا ليتي إذا ما كان ذاكم شهدت وكنت أولهم ولوجاً

رسالة إلى كل من يعمل للإسلام · الصفحة ١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسالة إلى كل من يعمل للإسلامص ١٧