وهذا الصحابي عبد الله بن جحش ينتحي جنباً مع سعد بن أبي وقاص قبل غزوة أحد، واتفقا على أن يدعو كل واحد منهما دعاءً ويؤمن الآخر، فكان دعاء عبد الله بن جحش: (اللهم ارزقني رجلاً شديداً حَرْده شديداً بأسه، أقاتله فيك ويقاتلني، ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذنيَّ، فإذا لقيتك غداً قلتَ: يا عبد الله فيم جدع أنفك وأذنك؟ فأقول: فيك وفي رسولك، فتقول: صدقت).
ما أعظم هذا الدعاء وما أروعه! إنها نفوس باعت كل شيء لربها وتحول المُرُّ عندها حلواً، إنه لا يصدر إلا من رجل استعذب الطريق وذاق حلاوته، فلا يهمه شيء سوى مرضاة ربه، ولا يهمه سوى أن يلقى الله وهو طائع له مقتول في سبيله، إن هؤلاء وأمثالهم جديرون حقاً بتمكين الله لهم ونصر الله لهم واصطفائه لهم سبحانه.
وقد تحقق لعبد الله بن جحش ما أراد؛ فمات شهيداً في أحد وجدع المشركون أنفه - ولعل البعض لا يعرف أن الصحابي الجليل عبد الله بن جحش من أعظم بيوتات قريش، وهو ابن عمة الرسول -
إنهم قوم أحسوا أن سعادتهم لا تكون إلا في سيرهم في هذا الطريق، ولو مزقوا إرباً، ولو حاربوا الأبيض والأسود، ولو رماهم الناس جميعاً عن قوس واحدة، وإن فارقوا أوطانهم وأهليهم.
ولعلك تستشعر ذلك في تلك الرغبة الجارفة في الشهادة في سبيل الله التي كانت تملأ نفس سعد بن معاذ، فقد قال سعد بعد أن حكم في بني قريظة - وكان وقتها جريحاً من غزوة الخندق - قال: (اللهم إنك تعلم أنه ليس أحب إليَّ أن أجاهدهم فيك، من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه، اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني لهم حتى أجاهدهم فيك، وإن كنت قد وضعت الحرب فافجرها واجعل موتتي فيها، فانفجرت من لُبَّتِه)، فلم يرع الناس وهم في المسجد إلا الدم يسيل من خيمة سعد - وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد وضعه في خيمة يعالج فيها في المسجد - فقال الناس: (يا أهل الخيمة! ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟!)، فإذا سعد ينزف دماً، فمات منها.
وهذا المنذر بن عمير كان يسمى بين الصحابة "المُعنِقَ للموت" - أي المسرع للشهادة في سبيل الله والمبادر إليها - وقد لقب بذلك لأنه أسرع للشهادة، وقتل شهيداً في بئر معونة.
وهذا خالد رحمه الله حينما أُخِذَ للقتل كان سعيداً ومبتهجاً أيما ابتهاج، ولما رأى الحزن على وجه أحد إخوانه - وهو يسلم عليهم مودعاً - قال له خالد: (لا تحزن، إني ذاهب إلى ربي).
وهذا أخ كريم بعد أن أصيبت يده اليمنى في القتال إصابة بالغة - قطعت كفه اليمنى تماماً - أخذ يردد وهو بين الحياة والموت: ﴿وعجلت إليك ربِّ لترضى﴾.
وهذا أخ كريم آخر يبكي بكاءً شديداً لما رُدَّ عن الجهاد - لنحول جسمه وضعف بنيته - إذ إنه كان يُمَنِّي نفسه أن يرزقه الله الشهادة، ولما علم قائده ببكائه، قال: (هذا الذي أريده، وضمَّه إلى جنده)، وحينما أخذه الأعداء للقتل - بعد أسره - أخذ يدعو دعاءً كثيراً وطويلاً عليهم، وكان يردد مراراً وتكراراً وقتها بصوت عال جداً: (قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار).