تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كلُّ مخلوق سويٍّ على وجه البسيطة يحبُّ أن يرى الأشياء على صفائها ونقائها الَّذي فُطرت عليه، إنْ في ذاته أو في الموجودات حوله. فإذا ما استيقظ ذات يوم وشعر بأن شمس قلبه قد توارت بحُجب الغفلة والذنوب، ضاقت نفسه، وبادر بالتوسُّل إلى خالقه كي يكشف عنه هذه الحجب. فشأنه في هذا شأن من قُدِّم إليه كأس ماءٍ فجعل يُقَلِّب نظره فيه؛ فإن رآه متألِّقاً صافياً استحبَّته نفسه، وأقبلَ على شربه، وإن وجده شائباً متَّسخاً عافته نفسه، فأعرض عن تناوله.

فإذا كان الإنسان المخلوق يعشق النقاء والصفاء بهذا الشكل، ويتوخَّاه في مأكله ومشربه وملبسه، وفي بيته وعمله، فكيف بالخالق العظيم المبرَّأ من النقائص والعيوب، والمنزَّه عن الأشباه والنظائر، هل يرضى من عباده أن يرفعوا إليه إيماناً مزيَّفاً تُعَكِّرُ صفاءه الشوائب، وتشوِّه نقاءه الأخلاط؟.

لذلك كان علينا بوصفنا مؤمنين موحِّدين لله عزَّ وجل أن نصحِّح مسيرة إيماننا ونطهِّره من كلِّ ما علق به من شوائب جرَّاء جهلنا وسوء تصرفنا وغفلتنا عن القيادة الحكيمة الَّتي غابت عن بصائرنا. فالمرشد لنا هو الله تعالى الَّذي يمنحنا الأمن والهداية كثمرتين لالتزامنا بأمرين اثنين:

الأوَّل: أن نؤمن به إيماناً عميقاً، صافياً، خالصاً، بأنه ربُّنا وخالقنا والمستحقُّ وحده لعبادتنا وتوجُّهنا، وأنه وحده النافع والضارُّ، فما يكون لأحد غيره سلطانٌ علينا في شيء لم يقدِّره تعالى لنا، وهو الرزَّاق الَّذي بيده خزائن كلِّ شيء فلا نلتمس الرزق من غيره.

والثاني: أن لا يشوب إيماننا ظلم ولا ظلمة، كالشرك الَّذي يجعل قلوب بعض الناس معابد تنتصب فيها أصنام شتَّى من المتعلَّقات المادِّية والحسِّية كالمال والأهل والناس، والمتعلَّقات المعنوية كالهوى والنفس والشهوة، فما دام التعلُّق بواحد منها أقوى من التعلُّق بالله كان الإيمان ناقصاً مشوباً.

منهاج حياة · الصفحة ٨٩٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

منهاج حياةص ٨٩٦