وقد حذَّر الرسول صلى الله عليه وسلم من مغبَّة الإسراف في تناول الطعام فقال: «ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطنه، حسبُ ابن آدم لقيمات يُقمن صُلبه فإن كان لا محالة فاعلاً، فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفَسِه» (رواه أحمد والترمذي وحسَّنه النسائي)، فمن الأصول الصحِّية العامَّة أن لا يمدَّ الإنسان يده للطعام إلا وهو جائع، ثمَّ ينبغي أن يرفع اليد عن الطعام قبل الشِّبَع وهو يشتهيه. وفي الحديث الشريف: «أن المقوقس ملك مصر أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم جارية وطبيباً وبغلة، أمَّا الجارية وهي مارية القبطية فقد تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم ، وأمَّا البغلة فاتَّخذها رَكوباً له، وأمَّا الطبيب فمكث مدَّة طويلة لم يُقْبِل عليه أحد يشكو مرضاً، فقال للنبي عليه السلام: مكثت مدَّة ولم يأتني مريض، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : نحن قوم لا نأكل حتَّى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع» (أخرجه الترمذي عن عائشة رضي الله عنها).
وإذا كان الإسراف في أكل الطعام مذموماً مؤذياً؛ فإن الإسراف في تناول نوع معيَّن منه زيادة عن حاجة الجسم مذموم مؤذٍ أيضاً، والسلوك الأمثل هو الاعتدال في كلِّ شيء.
إن الله عزَّ وجل يكره من كان جُلَّ همِّه أن يملأ بطنه، لأن البِطنة تُذْهِب الفطنة، وتُوقع في الغفلة وتشكِّل حجاباً حول القلب يحجب عنه نور المعرفة، لذلك فرض الله تعالى الصِّيام على عباده تطهيراً لنفوسهم وجلاءً لقلوبهم. وأمرهم بالاعتدال في طعامهم وشرابهم ليستفيدوا منه، ولئلا يُجهدوا جهازهم الهضمي ويُحمِّلوه فوق طاقته فتضطرب عمليات الهضم، ويؤدي بهم ذلك إلى أسوأ النتائج الَّتي تضرُّ بصحَّتهم، وسلامة أبدانهم. فالاعتدال مطلوب ومحمود، والشراهة والنهمة مكروهة مذمومة، والسعيد من احتاط للمرض واتَّقاه قبل وقوعه، وعمل بقوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنَّه لا يُحِبُّ المسرفين﴾.