ونظراً لأهميَّة الشهادة بالعدل فقد حضَّ الإسلام عليها، وأمر الله عباده المؤمنين بأدائها على وجهها الصحيح دون محاباة، قال تعالى: ﴿..ولا تكتموا الشَّهادةَ ومَن يكْتُمْها فإنَّه آثِمٌ قلبه..﴾ (2 البقرة آية 283) فإذا سُئِلْتَ في الأمر فقل الحقَّ فيه، ولو أصابك من ذلك ضرر مادي عاجل أو أصاب والدَيْك، لأن برَّ الوالدين لا يتعارض مع الصدق في أداء الشهادة على أحدهما أو كليهما، لأن في هذه الشهادة منعاً لهما من الظلم وهذا برٌّ بهما، وليس من البرِّ أن نطمس حقَّ الخصم محاباة للوالدين أو الأقربين لأن في ذلك ضياعاً للحقوق، وتنشيطاً للظلم، وتشجيعاً للظالم كي يتمادى في ظلمه. ومن يَتَّقِ الله في الشهادة فإن الله سيجعل له من كلِّ همٍّ فرجاً، ومن كلِّ ضيق مخرجاً، قال تعالى: ﴿..ومن يَتَّقِ الله يجعلْ له مَخْرَجاً * ويَرْزُقْهُ من حيثُ لا يحتسبُ..﴾ (65 الطلاق آية 2ـ3).
ولقد حضَّ الإسلام الناس على أن لا يَحْملهم الهوى أو العصبية أو عداوتهم لبعضهم على مجافاة العدل في أمورهم، بل أمرهم بالالتزام به في كلِّ حالة، فهو بهذا يكفل العدل لكلِّ الناس كما يكفله لأبنائه، وهذه المقوِّمات تجعل الإسلام ديناً عالميّاً، يمكن للناس جميعاً الاحتماء به، والالتجاء إلى تعاليمه، لنيل حقوقهم سواء أكانوا من معتنقيه أم من غيرهم. وكذلك أمر الإسلام أتباعه أن لا يُدْخِلوا الاعتبارات المادِّية في موضوع أداء الشهادة، سواء أكان أحد الخصمين غنياً أم فقيراً، فلا يجوز أن نغمطه حقَّه إن كان فقيراً، أو نتواطأ معه إن كان غنياً، فالله أَحقُّ أن نخشاه، وهذا كلُّه بخصوص حقوق العباد.