وتمضي الآيات الكريمة في عرض بعض دلائل الإعجاز في الكون؛ فتقرِّر أن الجبال الرَّواسي تحفظ توازن الأرض، فلا تميد ولا تضطرب. وحفظ التَّوازن يتحقَّق في صور شتَّى، فقد يكون توازناً بين الضَّغط الخارجي على سطح الأرض والضَّغط الداخلي في جوفها، وهو يختلف من بقعة إلى أخرى. أو يكون بروز الجبال في موضع ما معادلاً لانخفاض الأرض في موضع آخر. وقد ثبت علمياً أن للجبال جذوراً في أعماق الأرض وظيفتها حماية طبقاتها من التحرُّك، وحفظ توازنها، حيث أن الطبقة الصُّلبة من القشرة الأرضية ترقد على طبقة ليِّنة زَلِقَة ولو كان السَّطح السُّفلي للطبقة الصُّلبة مستوياً وكذا السَّطح العلوي للطبقة الليِّنة لانزلقت الأرض من تحت أقدامنا وبيوتنا ولَمَادَت ولما استقرَّ لنا قرار ولما صلحت الأرض للعيش عليها. وقد أثبت العلم أن الجبال مغروسة في باطن الأرض لتقوم بمهمة التثبيت كما هو شأن الوتد بالنسبة للخيمة، وما يظهر منها إلا الثُّلُث، والثُّلُثان في باطنها، وقد عبَّر القرآن الكريم عن تلك الجذور بالأوتاد في قوله تعالى: ﴿أَلَم نجعلِ الأَرضَ مِهاداً * والجِبال أوْتَاداً﴾ (78 النبأ آية 6ـ7).
وفي ذكر السُّبُل في الآية الكريمة وهي الطُّرُق النافذة السالكة في الجبال الَّتي تفصل بين كتلها الضَّخمة العالية؛ دلالةٌ على حكمة الصَّانع الَّذي لم يترك الجبال كتلاً هائلة من الصُّخُور والأحجار، تحجز البلدان والأمصار وتعزل البشر، بل شقَّها وجعل فيها مسالك يستطيع الإنسان السَّير عليها والانتقال عبرها من مكان إلى آخر، لينتفع في تجارته وشؤون حياته، وليتمكَّن الإنسان من إنشاء العلاقات الطيِّبة مع أخيه الإنسان في المجتمعات الأخرى، ولولا ذلك لما انتشر الناس في أرجاء الأرض، ولما استفادوا من كلِّ خيراتها.