وكان المشركون قد صدُّوا المسلمين عن البيت الحرام عام الحديبية، فنهى الشارع الحكيم أن يعتدوا عليهم عام حجَّة الوداع حين ملكوا القدرة عليهم. وقد نزلت هذه السورة بعد صلح الحديبية، حيث يدعوهم الله تعالى فيها ليرتفعوا إلى مستوى الدَّوْر الَّذي أناطه بهم، إنه دور هداية الناس بلا تأثُّر بالمشاعر الشخصيَّة والعواطف الذاتيَّة، والملابسات العارضة في الحياة. يدعوهم لأن يرتقوا فوق العدل نفسه، ليصلوا إلى مرتبة التسامح وضبط النفس مع من اعتَدَوا عليهم، وتركوا في نفوسهم جروحاً وآلاماً، وخلَّفوا في قلوبهم الكره والبغض، فإساءة المسيئين شيء، وواجب الأمَّة المسلمة شيء آخر. إنها تَبِعَةُ حمل الرسالة، التبعة الَّتي لابدَّ للمؤمنين أن يتجاوزوا فيها كلَّ ما ينالهم من الأذى، ليقدِّموا للناس نموذجاً رائعاً من السلوك المتسامي، الَّذي يصنعه الإسلام وينادي به، وبهذا يعكسون عن الإسلام صورته الحقيقيَّة الَّتي تجذب الناس إليه وتحبِّبهم فيه. وهو تكليف شاقٌّ، ولكنَّه لا يرهق النفس المؤمنة، ولا يحمِّلها فوق طاقتها، فهو يعترف لها بأن من حقِّها أن تغضب ومن حقِّها أن تكره، ولكن ليس من حقِّها أن تعتدي في فورة الغضب وشدَّة الشنآن. ويهيب بالمؤمن أن يملك نفسه عند الغضب، ويعدُّ ذلك بطولة، فقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليس الشديد بالصُّرَعَة ـ الَّذي يصرع الناس ويغلبهم ــ إنما الشديد الَّذي يملك نفسه عند الغضب» (متفق عليه).
منهاج حياة · الصفحة ٤٣٧
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
منهاج حياةص ٤٣٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي