تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهناك فريق من الناس ممَّن لم يتهيَّأ لهم النُّضْج الإيماني والفكري، يمزجون بين حبِّهم لله وحبِّهم للمخلوقات، الَّتي سخَّرها الله، لتكون وسائلَ وأسباباً لتنفيذ إرادته وقضائه في الأرض، فيمالئونهم ويتقرَّبون إليهم وكأنَّهم هم صانعو القدر، متناسين أن مفاتيح العطاء كلَّها بيد الله، وقد ينساقون وراءهم فيتساهلون بأمر عقيدتهم كسباً لمرضاتهم وطمعاً في مساعدتهم. أمَّا المؤمن فهو الَّذي يفطن إلى كنه العلاقة الَّتي تربطه بغيره من المخلوقات، فعندما يحتاج إليهم يدرك تمام الإدراك، أن مشيئتهم وإرادتهم مقيَّدة بمشيئة الله. وقد يمدُّ يده طالباً مساعدتهم في قضاء حوائجه أخذاً بالأسباب، لكنَّ قلبه يبقى مخلصاً لله، حرّاً من كلِّ تعلُّق بغيره، لا يتوكَّل إلا عليه، لأنه هو المعطي وهو المانع، وكلُّ تعلُّق بغيره يصل إلى درجة تتعارض مع تعلُّقه بالله، يُعتَبر شركاً خفيّاً، لأنه يحجب صاحبه عن رؤية الله في كلِّ أمر من أوامره، وينافي التوكُّل عليه، واللجوء إليه في السرَّاء والضرَّاء. ويدخل في دائرة الإشراك، الإفراط في حبِّ الزوجة أو الولد أو المال أو أيِّ شيء زائل، بحيث يطغى على حبِّ الله تعالى: ﴿قُلْ إن كان آباؤُكُم وأبناؤُكم وإخوانُكُم وأزواجُكُم وعشيرتُكم وأموالٌ اقترفْتُموها وتجارةٌ تخشَونَ كسادَهَا ومساكنُ ترضَوْنَها أحبَّ إليكم من الله ورسولهِ وجهادٍ في سبيلهِ فترَبَّصُوا حتَّى يأتيَ الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾ (9 التوبة آية 24). وهؤلاء المعرضون عن الإخلاص في عبادة الله تعالى، يظلمون أنفسهم في الدنيا والآخرة، ولو تفتَّحت بصائرهم لأدركوا أنهم يرمون بأنفسهم في دائرة عذاب الله، ويجدر بهم أن يدركوا أن القوَّة لله جميعاً، وأن عذاب الله شديد، قبل أن يصبحوا نَادمين بائسين، في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم.

منهاج حياة · الصفحة ٣٩٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

منهاج حياةص ٣٩٤