تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذه الحقيقة هي الَّتي تفرِّق بين عبودية المرء للنزوات والأهواء، وبين عبوديته لله، والَّتي تتحقَّق بها الغاية الَّتي خُلق من أجلها، فإذا ما استقرَّ في عقل المؤمن وقلبه، وأيقن بأن الله مالك ليوم الحساب، وأدرك حبَّه وعنايته، وفضله ورحمته، وقوَّته وعدالته، توجَّه إليه بكلِّيته، قلباً وقالباً، وخصَّه بالعبادة الَّتي تعني الخضوع والخشوع والتسليم، إيماناً منه بأنَّ لله سلطاناً لا يُدرك العقل كنهه، لأنه أوسع من أن يحيط به الفكر، أو يرقى إليه الإدراك. والعبادة مقام عظيم يتشرَّف به العبد لانتسابه إلى حضرة الله الخالق، فيكون حراً كريماً في معتقده، لا سلطان لمخلوق عليه.

وبما أن الله تعالى قد بيَّن لعباده أنه المتفرِّد بالربوبية، فلا ينبغي لهم أن يشركوا في عبادته أحداً، ولا يُعَظِّموا ـ تعظيم المعبود ـ أحداً غيره، وحريٌّ بهم أن لا يستعينوا بمن هو دونه، إلا في حدود الأخذ بالأسباب، وأن لا يطلبوا المعونة لإنجاز أعمالهم وقطف الثمار المرجُوَّة إلا منه، وبهذا يكون معنى الاستعانة بالمخلوقين مرادفاً للمعنى الحقيقي للتوكُّل على الله، وهذا من كمال التَّوحيد.

فإذا كان الله ـ وحده ـ هو المعبود وهو المستعان، فقد تخلَّص الضمير البشري من عبء الظروف والأوضاع وذلِّ الأشخاص، كما تخلَّص من سيطرة الأوهام والخرافات، وعندها يستطيع التمييز بين التحرُّر المطلق من كلِّ عبودية لغير الله، وبين العبودية المطلقة لله تعالى، ويختار ما فيه خيره وسعادته في الأولى والآخرة.

منهاج حياة · الصفحة ٣٧٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

منهاج حياةص ٣٧٧