تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذا ثارت غريزة حُبِّ التملُّك عند الإنسان وطغت، دفعته للاستيلاء على كلِّ ما يحلو له، سواء بالحقِّ أم بالباطل، بالطرق السويَّة أو الملتوية، لذلك جاءت شرائع السماء بالعدل لتنظِّم الحقوق والواجبات، وليأخذ كلُّ ذي حقٍّ حقَّه ويؤدِّي كلٌّ واجبه، مستندة بذلك إلى الميزان العقلي والفكري لتتعادل أمور الحياة، ولتستقيم شؤون الناس الخاصَّة والعامَّة، وليرتقوا نحو الأفضل باستثمار الامكانات المادية المتاحة لهم. فكلُّ الرسالات السماوية جاءت لتقرَّ في الأرض، ميزاناً ثابتاً، ترجع إليه البشرية، لتقويم الأعمال والأحداث والأشياء والناس، وتقيم عليه حياتها في مأمن من اضطراب الأهواء واختلاف الأمزجة، وتصادم المنافع والمصالح، ميزاناً لا يحابي أحداً لأنه يَزِنُ بالقسطاس الإلهي للجميع، ولا يحيف على أحد لأن الله رَبُّ الجميع؛ والميزان هو القانون والعدل والتَّوازن، الَّذي يُحْكَمُ به بين الناس في الأرض، وإلى ذلك تشير الآية في جزئها الأوَّل. أمَّا في جزئها الثاني فهي تشير إلى الحديد بقوله تعالى: ﴿وأنزلنا الحديد﴾ دلالة على إرادة الله وتقديره في خلق الأشياء والأحداث، وقد خصَّ الله تعالى الحديد بالذِّكر لأنه رمز الصناعة، ومعيار قوَّة الأمم في الحرب والسلم، حتَّى إن الحضارة المعاصرة تكاد تكون قائمة على تصنيع الحديد ومشتقَّاته.

إن الربط بين تعاليم السماء، وحُسن الاتِّزان وإشاعة العدل من جهة، وبين الحديد من جهة أخرى، لم يأتِ في الآية عبثاً، فما كان لأُمَّة متفرقة يَقْهَرُ أفرادها بعضهم بعضاً، أن تحقِّق لنفسها النُّهوض الصناعي والتقدُّم الحضاري، ولو ملكت المواد الخام؛ لافتقارها إلى العلم والتفكُّر، والعمل الدؤوب المخلص، الممزوج بالتوادد والتَّراحم، فما كان لهذا العلم أن يربو في أجواء الحقد والغلِّ، والتشاحن والاستهتار.

منهاج حياة · الصفحة ٣٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

منهاج حياةص ٣٥٦