تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأيّ نظام عالمي عاقب الجاهل - أو كاد - على كونه أمِّياً؛ تهاون في تعلُّم القراءة أو الكتابة بل جميع أنواع العلوم والحكمة، سوى الإسلام؟ وأيّ نظامٍ عالمي هدَّد العالِم بالعقوبة؛ إن كتم علمه، فلم ينفع به الناس سوى الإسلام؟

وأمَّا الأفعال: فقد قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حياته كلَّها معلِّماً، وداعياً إلى نشر العلم والمعرفة وتعميم ذلك، بعد أن كان العلم في تلك الحقبة من الزمن حِكْراً على أقلِّية محدودة من الأشراف، وكانت أقواله صلى الله عليه وسلم وأفعاله أوَّل خطوة على طريق تعميم العلم، وكان شعاره في ذلك: «ليس منِّي إلا عالم أو متعلِّم» (أخرجه ابن النجار والديلمي في الفردوس عن ابن عمر رضي الله عنه ). لقد خطا الرسول صلى الله عليه وسلم بالأُمَّة الخطوة الأولى على هذه الطريق الطويلة، الَّتي اتَّخذت من شعار (العلم للجميع) مبدأً تسير عليه، وغاية تسعى للوصول إليها، فها هو ذا يأمر بتعليم الأطفال القراءة والكتابة، وها هو منذ الأيَّام الأولى لاستقراره في المدينة يأمر ببناء مساجد صغيرة في أحياء المدينة المختلفة، ويضع في كلٍّ منها قارئاً كاتباً، ويأمر الناس ـ كُلَّ الناس ـ أن يرسلوا أولادهم إلى تلك المدارس، الَّتي تعتبر بحقٍّ أوَّل مدارس ابتدائية رسمية عامَّة إلزاميَّة في التاريخ، فهو بحقٍّ صاحب السَّبْق في هذا الميدان، ولم يدع فرصة ولا مناسبة إلا واستغلَّها من أجل تحقيق هذا الهدف السامي والغاية النبيلة، فها هو ذا صلى الله عليه وسلم يأسر سبعين ممَّن عادَوْهُ بعد معركة بدر التي فرضوها عليه، ويفتدي الأسرى أنفُسَهم بدفع مبلغ من المال، لكن الَّذين يحسنون القراءة والكتابة، كان فداؤهم أن يعلِّم كلُّ واحد منهم، عشرة من أبناء المسلمين القراءة والكتابة، فقد آثر التعليم على إجبارهم على دفع المال، مع شدَّة الحاجة إلى المال في ذلك الوقت، لأن التعليم يحقِّق جزءاً من الغاية الَّتي أُرْسِلَ من

منهاج حياة · الصفحة ٣٤٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

منهاج حياةص ٣٤٢