وجَعَلَ العلم وزيادة المعرفة سبباً من أسباب زرع مخافة الله وخشيته في النفوس، فقال تعالى: ﴿ألم تَرَ أنَّ الله أنزلَ من السَّماء ماءً فأخرجنا به ثمراتٍ مُخْتلفاً ألوانُها ومن الجبالِ جُدَدٌ بيضٌ وحمرٌ مختلفٌ ألوانُها وغرابيبُ سُودٌ * ومن النَّاسِ والدَّوابِّ والأنعامِ مُختلفٌ ألوانُهُ كذلك إنَّما يَخشى الله من عبادهِ العلماءُ إنَّ الله عزيزٌ غفور﴾ (35 فاطر آية 27ـ28). (الجُدَدُ: هي الطرق المختلفة الألوان، والغرابيب: هي صخور متناهية السَّواد كالغربان)؛ فقد لفت الله الأنظار إلى عظمته في إنزال المطر من السماء، وكيف جعله سبباً لنموِّ النباتات والأشجار، وما تجود به من ثمار، وكيف خلق من الجبال صخوراً بيضاءَ وحمراءَ مختلفة الألوان، وسوداءَ قاتمة السَّواد، وخلق من الناس أجناساً، ومن الدوابِّ والأنعام أصنافاً، ثمَّ أَتْبع ذلك بقوله: إنما يخشى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماءُ، أي الَّذين اطَّلعوا ـ دراسة وتمحيصاً ـ على بديع خلقه ودقيق صنعه، أحقُّ وأحرى من غيرهم، بأن تنغرس في نفوسهم خشيةُ الله، وتملأ قلوبهم محبَّة الله ومهابته سبحانه.
فانظر كيف يوازن كتاب الله تعالى بين من يعلمون ومن لا يعلمون، ويصرِّح بأنه لا وجه للمقارنة بينهم، فهم لا يستوون مع بعضهم لا في الدنيا ولا في الدار الآخرة، ففي الدنيا؛ هم أهل الحَلِّ والعقد، وهم أصحاب الرأي والمشورة والدعوة إلى الحقِّ، والوقوف في وجه الجهل والجاهلية والخرافات والأوهام، وفي الدار الآخرة؛ لهم الدرجات العالية في أعلى الجنان.