ـ لقد كان أهل الكتب السماوية السابقة بأمسِّ الحاجة للقرآن ليروي عطشهم الروحي، ويطفئ غليل نفوسهم، لذا ذرفوا الدموع سخيَّة عندما لامست كلماته شغاف قلوبهم.
في رحاب الآيات:
أنزل الله تعالى القرآن الكريم قائماً على الحقِّ، مُقِرّاً له في الأرض، فالحقُّ مادَّته، والحقُّ غايته، ومن الحقِّ قوامه. وقد جاء ليربِّي أمَّة، ويقيم لها نظامها، فتحمله هذه الأمَّة إلى مشارق الأرض ومغاربها، وتبلِّغه للبشرية وفق المنهج الكامل. ولهذا فقد نزل هذا القرآن بالتدريج وفق الحاجات الواقعية لتلك الأمَّة، ووفق الوقائع والأحداث الَّتي صاحبت مدَّة التربية الأولى. فجاء ليكون منهجاً عملياً يطبَّق جزءاً جزءاً في مرحلة الإعداد، ولم يأتِ فقهاً نظرياً ولا أفكاراً تجريدية، تُعرَض للقراءة والاستماع الذهني فقط، وتلك بعضٌ من حكم نزوله مفرَّقاً، لا كتاباً كاملاً منذ اللحظة الأولى. ولقد تلقَّاه الجيل الأوَّل من المسلمين على هذا الأساس، فكان توجيهاً يُطبَّق في واقع الحياة كلَّما جاءهم بأمر أو نهي، وكلَّما تلقَّوْا منه أدباً أو فريضة. ويتجه الخطاب في هذه الآيات الكريمة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لِيُعْلِمَهُ بأن الله أرسله، مبشِّراً للمطيع بالثواب، ولأهل السعادة بسعادة الوصول والعرفان عند التمسك بالقرآن، ونذيراً لأهل الشقاوة بشقاوة البعد والحرمان عند الانفصام عن حبل القرآن وترك الاعتصام به. ويطلب تعالى من نبيِّه الكريم أن يخاطب الناس بقوله: آمِنوا بالقرآن أو لا تؤمنوا به، فهو حقٌّ في نفسه أنزله الله، وكتاب خالد إلى أبد الدهر، فإيمانكم لن يزيد في خزائن الله شيئاً، كما أن كفركم لن يُنقص منها شيئاً، وإن تكفروا به فإن أولي العلم الَّذين عرفوا التوراة والإنجيل وعرفوا أن الله سيبعث نبيّاً، يخِرُّون ساجدين شاكرين لله هديَّةَ القرآن، تلك النفحة الربَّانية، الَّتي أنعشت أرواحهم بعد ظمأ طويل، وبعثت الحياة في قلوبهم، فراحوا