إذن فلا وجه للشكِّ في أن هذا القرآن منزَّل من عند الله، فهو ليس مفتعلاً من صنع الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولم يتعلَّمه من الكتب المأثورة عمَّن قبله. وحتَّى لو كان الرسول صلى الله عليه وسلم كاتباً وقارئاً، فلا يجوز لهؤلاء المعارضين أن يرتابوا، فإعجاز القرآن يشهد بذاته أنه ليس من نظم بشر، مهما علا شأنه، وإن كان محمَّداً ذاته، فلو كان من عنده صلى الله عليه وسلم لنسب إلى نفسه صفاتٍ تتناسب مع حبِّ الإنسان للظهور، ولادَّعى من المواهب ما يوهم به أصحاب العقول الصغيرة والأنفس الضعيفة فيجد الحظوة لديهم. ولكنَّه محمَّد الصادق الأمين، قيادته بيد خالق الأكوان، المعطي والمانع، ولا حول ولا قوَّة له، لا هو ولا أتباعه، إلا بالله العليِّ العظيم. والقرآن الكريم أعظم من طاقات البشر، ومعرفتهم، وآفاقهم، والحقُّ الَّذي فيه، ذو طبيعة مطلقة كالحقِّ الَّذي في هذا الكون، وكلُّ وقفة أمام نصوصه توحي للقلب بأنَّ وراءه قوَّة، وفي عباراته سلطاناً لا يصدران عن بشر.
وليس القرآن كما يقول المبطلون من الجاهلين سحراً أو شعراً، ولكنَّه آيات ودلائل هَدَتْ إلى دين الله وأحكامه، ولقد أضاءت أنوارها في صدور الَّذين أوتوا العلم، فأصبحت مستودعاً للحكمة الإلهية، والأسرار الربَّانية. إن كلاً منا بوسعه أن يكون من أولي العلم إذا اكتشف أعماقه، والقوى الهائلة الكامنة فيها، ووصل طاقاته الدفينة بالطاقة الإلهية العظمى. وأولو العلم وحدهم، هم الَّذين يستطيعون أن يميِّزوا بين كلام الله وكلام البشر، وما يجحد بهذا القرآن إلا المتجاوزون للحدود بالمكابرة والعناد والشر.
سورة النساء(4)
قال الله تعالى: ﴿أفلا يَتَدبَّرونَ القُرآنَ ولو كان من عندِ غيرِ الله لوجدوا فيهِ اختِلافاً كثيراً(82)﴾
ومضات: