أمَّا المعراج فهو الارتفاع والارتقاء من عالم الأرض إلى عالم السماء، وقد حدثت هاتان الرحلتان، الرحلة الأرضية (الإسراء) والرحلة السماوية (المعراج) في ليلة واحدة قبل الهجرة بسنة، ليمحِّص الله المؤمنين، وليميِّز من كان صادق الإيمان فيكون خليقاً بصحبة رسوله الأعظم إلى دار الهجرة، وجديراً بما يحتمله من أعباء وتكاليف. وقد أطْلَعَ الله سبحانه وتعالى رسوله في هذه الليلة على آيات كونيَّة تنطق بما في الكون من العظمة والجلال، ليكون ذلك درساً عملياً يتعلَّم فيه الرسول بالمشاهدة والنظر، لأنه أجدى أنواع التعليم وأشدُّها رسوخاً، ولقد كفل له ربُّه ذلك بما أراه من آياته الكبرى، وما أطلعه عليه من مشاهد تلك العوالم الَّتي لا تصل أذهاننا إلى إدراك كنهها إلا بضرب من التخيُّل، فأنَّى لنا أن نصل إلى ذلك وقد حبس عنَّا الكثير من العلم، وما أوتينا منه إلا قليلاً، قال تعالى: ﴿ويَسئَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُل الرُّوحُ من أمرِ ربِّي وما أُوتيْتُم من العلمِ إلاَّ قليلاً﴾ (17 الإسراء آية 85). ولا يخفى أن هذا ليس بخلاً من الله عزَّ وجل، فهو سبحانه لا يبخل على عباده، بل أعطى كلَّ نوع من مخلوقاته علوماً تتوافق مع استعداده وفطرته ومهمَّته في هذا الكون. إن روحانية الأنبياء تتغلَّب على كثافة أجسامهم، فما يخيَّل إلينا أنه مانع من الوصول إلى عالم الملأ الأعلى، لتخلخل الهواء ثمَّ انعدامه، واستحالة الوصول إلى الطبقات العليا من السماء، ما هو إلا بالنظر إلى الأجرام والأجسام المشاهدة في عالم الحسِّ والقوانين الَّتي تحكمها، أمَّا الأنبياء والملائكة فإن لروحانيتهم أحكاماً أخرى لم يصل العقل البشري إلى تحديدها وإبداء الرأي فيها. ولا يخفى على كلِّ ذي بصيرة آمن بالله عزَّ وجل أنَّ الله تعالى واضع نظام هذا الكون وقوانينه، وأن من وضع قوانين التنفُّس والجاذبية والحركة والانتقال والسرعة وغير ذلك، قادر على استبدالها بغيرها عندما
منهاج حياة · الصفحة ٢٧٧
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
منهاج حياةص ٢٧٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي