وانطلاقاً من هذا الخطاب والعمل بمقتضاه؛ تحوَّل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم إلى جامعة تُعلِّم كلَّ العلوم، وأصبح طلب العلم فيها والانتساب إليها فرضاً على كلِّ مسلم. فدخلها المسلمون أميين غارقين في عزلتهم عن العالم حضارياً وفكرياً، وتخرَّجوا منها بفضل معلِّمهم ونبيِّهم علماء فقهاء أدباء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء، وحملوا شهاداتٍ عاليةً، ومِنَحاً قيِّمةً، منها ما رواه سعيد بن المسيِّب عن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أصحابي كالنجوم بأيِّهم اقتديتم اهتديتم» (أخرجه البيهقي والديلمي)، وهذا ما أكَّده تعالى بقوله: ﴿هو الَّذي بَعثَ في الأُمِّيينَ رسولاً منهم يتلو عليهِم آياتِهِ ويُزكِّيهِم ويُعلِّمُهُمُ الكتابَ والحِكمةَ وإن كانوا من قَبْلُ لفي ضلالٍ مبين﴾ (62 الجمعة آية 2).
وما أجمل المَثَلَ الَّذي ضربه لنا الرسول المعلِّم الأوَّل عليه الصَّلاة والسَّلام في بيان مهمَّته الجليلة في التعليم ومدى تأثُّر الناس بها عندما قال: «مَثَلُ ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً فكانت منها طائفة طيِّبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسَقَوْا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً، فذلك مَثَلُ من فَقُه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به من العلم فَعَلِم وعلَّم، ومَثَلُ من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الَّذي أُرسِلتُ به» (متفق عليه من حديث أبي موسى رضي الله عنه ). ولما كان تعليم النبي صلى الله عليه وسلم شاملاً لجميع أبواب الخير، فقد ركَّز على تعليم الحكمة الَّتي تُعَدُّ من أعظم هذه الأبواب وأجلِّها بدليل قوله تعالى: ﴿..ومن يُؤتَ الحكمة فقد أُوتيَ خيراً كثيراً..﴾ (2 البقرة آية 269).