فأصبح من الواضح ـ بناءً على ما سبق ـ عظمة المسؤولية الملقاة على عاتق الدعاة، وضرورة تسلُّح الداعي بسلاح الصبر والتأنِّي من البداية وإلى نهاية المطاف. فمن السهل جداً أن يستسلم للغضب إذا ما أعرض الناس عن دعوته ولم يستجيبوا لها، وقد يحمله هذا الغضب على هجرهم وعدم العودة إليهم، إلا أنه ليس من السهل تحمُّل مسؤولية هذا القرار وتبعاته الَّتي تلحق بالدعوة والمدعوين؛ نتيجةً لتخاذل القائمين عليها. والسرُّ في هذا أن جوهر الدعوة يكمن في أصلها لا في الدعاة إليها، وقد كفل الله لها الديمومة والبقاء، فخيرٌ للداعية أن يصبر ولا يضيق صدراً بما يجد من صدٍّ وجفاء، لأنه متى أدبر وتولَّى قيَّض الله للدعوة من هو خير منه، ليحمل لواءها من بعده، فتبقى خالدة قائمة بينما يطوي عالم النسيان المتخاذلين، وتذهب أعمالهم أدراج الرياح.
وصفوة القول: إن إحياء القلوب فنٌّ تلزمه وسائل متعدِّدة وأساليب مختلفة، ويجب ألاَّ يقف الداعي عند المحاولة الأولى، لأنه الوسيلة أو الأداة الَّتي سخَّرها الله لهداية البشر ـ والله خير راعٍ لدعوته وحافظ ـ ومع هذا فيجب عليه أن يؤدِّي واجبه على أتمِّ وجه وفي ضوء كلِّ الظروف، ولا يتراجع ويتولَّى عن خدمة دين الله. ويبقى الحوت بعد تلك الحادثة رمزاً للعقاب لكلِّ من يتقاعس؛ فأمام كلِّ داعية حوت بشكل من الأشكال يتربَّص به، والعبرة ألا ينهار أو ييأس أمام العقبات الَّتي تعترضه في طريق الدعوة، وأن يترك فضل الهداية لربِّ العالمين، فهو أعلم بمن ضلَّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين.
زكريَّا ويحيى عليهما السَّلام
سورة آل عمران(3)