والله هو الصَّمد الَّذي لا يُقضى أمرٌ إلا بإذنه، فله السيادة المطلقة على هذا الكون الرحيب، الَّذي لا يعلم مداه ومحتواه إلا هو، ولا ينازعه في هذه السيادة أحد، فهو المقصود وحده بالدعوات، المجيب لأصحاب الحاجات. وصمديَّته هذه تعني استغناءه الذاتي عمَّا سواه، وافتقار جميع المخلوقات إليه؛ في وجودها وبقائها وسائر أحوالها. ومن تمام وحدانيته وصمديَّته أنه لم يتَّخِذ ولداً، لأن الولد لابدَّ أن يكون من جنس والده والله تعالى ليس كمثله شيء، والولد لا يكون إلا لمن له زوجة والله منزَّه عن اتِّخاذ الزوجة، والولد يكون لمن يخشى الموت والزوال فتكون الذرِّية استمراراً له وبقاءً لنوعه، أمَّا الله تعالى فهو باق لا يحول ولا يزول، قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَواتِ والأَرضِ أنَّى يَكونُ لهُ وَلَدٌ ولمْ تَكُنْ لهُ صَاحِبَةٌ وخَلَقَ كُلَّ شيءٍ وهو بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ (6 الأنعام آية 101). وهو كذلك لم يولَد، لأن كلَّ مولود حادث والله قديم أزلي، لا والد له ولا سابق عليه، فهو الأوَّل والآخر الَّذي لا ابتداء لوجوده ولا نهاية؛ وفي هذا دحضٌ لما يفتريه المشركون، بأن لله أولاداً أو أنداداً، قال تعالى: ﴿وقُلِ الحَمْدُ لله الَّذِي لمْ يَتَّخِذْ ولَداً ولمْ يَكُنْ لهُ شَريكٌ في المُلْكِ ولمْ يَكُنْ لهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ (17 الإسراء آية 111).
فالحمد لله الَّذي لم يتَّخِذ ولداً فَيُمْسِك نِعَمَهُ له ثمَّ يورِّثه ملكه، لأن الولد غالباً ما يقوم مقام الوالد بعد انقضاء أجله. والحمدلله الَّذي لا شريك له في الملك، إذ لو كان له ذلك لم يُعرف أيُّهما المستحقُّ للشكر والحمد. والحمد لله الَّذي ليس له وليٌّ من الذُّل يتولاه لحاجة إليه أو دفعاً لمذلَّة عن نفسه. والحمد لله دائماً وأبداً على كلِّ ما أولانا من نِعَمٍ مهَّدت لنا طريق عبادته الخالية من الشِّرك والشريك أو الحاجة لغيره عزَّ وجل.