وبالإضافة إلى المآثر الكبرى الَّتي كانت لإبراهيم عليه السَّلام، فإن الله سبحانه اختاره وولده إسماعيل لبناء أوَّل بيت وضع لعبادة الله في هذه الأرض، ألا وهو الكعبة المشرَّفة، حيث قال الله تعالى: {إنَّ أوَّلَ بيتٍ وضِعَ للنَّاسِ لَلَّذي بِبَكَّةَ مباركاً
وهدىً للعالمين * فيه آيات بيِّناتٌ مقامُ إبراهيمَ ومن دَخَلهُ كان آمناً..} (3 آل عمران آية 96ـ97).
ويشير كتاب الله إلى هذه المأثرة لإبراهيم وإسماعيل عليهما السَّلام فيقول: ﴿وإذ يَرفعُ إبراهيمُ القواعدَ من البيتِ وإسماعيلُ ربَّنا تَقبَّلْ منَّا إنَّكَ أنت السَّميعُ العليم * ربَّنا واجعلنا مُسلمَيْن لك ومن ذُرِّيَّتنا أُمَّةً مسلمةً لك..﴾ (2 البقرة آية 127ـ128) ومن أجل الإعداد لذلك أمر الله إبراهيم بأن يضع زوجته هاجر وولده (منها) إسماعيل الرضيع، بوادٍ غير ذي زرع، عند المكان الَّذي ستشاد عليه الكعبة المقدَّسة، ليكونا نواة المجتمع المكِّي المقبل. ويرقُّ قلب إبراهيم الرحيم لزوجته وولده، وما أن توارى عن أنظارهما راجعاً إلى فلسطين، حتَّى أشرف على وادي مكَّة ودعا ربَّه قائلاً: ﴿..ربِّ اجعل هذا البلدَ آمناً واجنُبني وبنيَّ أن نعبُدَ الأصنام﴾ (14 إبراهيم آية 35) ويتابع متضرِّعاً إلى الله عزَّ وجل ويقول: ﴿ربَّنا إنِّي أسكَنتُ من ذُرِّيَّتي بوادٍ غير ذي زرعٍ عند بيتِكَ المحرَّم ربَّنا ليُقيموا الصَّلاة فاجعل أفئدةً من النَّاسِ تهوي إليهم وارزقهم من الثَّمراتِ لعلَّهم يشكرون﴾ (14 إبراهيم آية 37). وهكذا جُلِبَتِ الحياة إلى وادي مكَّة، وأنعم الله على هاجر الصابرة المحتسبة وعلى ولدها، بالماء حيث لا ماء ولا أثر للحياة فكان بئر زمزم، وحامت الطُّيور فوق الماء ممَّا لفت انتباه إحدى القوافل المارَّة من هناك، وكان ذلك أمراً عجباً، حيث لم يعهدوا وجود الماء في هذا المكان من قبل، وشاهدوا الرضيع وأمَّه، فأقاموا هناك وكانت نقطة البداية.