وكثيراً ما كان هذا الواقع يدفع إبراهيم للخلوة بنفسه مراراً، فتمرُّ عليه لحظات هي من أثمن اللحظات وأصدقها؛ لما في الخلوة من رؤية حقيقيَّة للذَّات، بعيداً عن رقابة الآخرين، الَّتي قد تدفع بعض الناس إلى المراءاة والمخادعة أو المداراة، وقد تمرُّ هذه اللحظات في عمر الإنسان مرَّة فتُقَدَّرُ قيمتها بالعمر كلِّه، وقد لا تحدث أبداً فتكون الخسارة الكبرى. ونتيجة لخلوة إبراهيم عليه السَّلام، فقد كانت فطرته تثور عليه، وتدفعه إلى البحث والتأمُّل في ملكوت السموات والأرض، ليهتدي إلى الإيمان بالإله الحقِّ، الجدير بالألوهيَّة، والمستحقِّ للعبوديَّة. فعندما تفكَّر فيما يعبد قومه من آلهة حجريَّة صنعوها بأيديهم، أنكرها ورفضها، ولما تأمَّل آلهتهم الأخرى، وهي الكواكب تريَّث عندها قليلاً، وقلَّب ناظريه في السماء، وأجال الطَّرْف في أرجائها، فإذا الليل قد أقبل ليكتسح النهار، وإذا بالظلام يلفُّ الضِّياء ويطرده، إنه ليل من نوع فريد، ليل يخُصُّ إبراهيم وحده، ويستره عن عيون الخلائق. وفي جوف الليل يحلو التأمُّل، وتحلو الخلوة مع النفس، ويشعر الإنسان بعذوبة النَّجوى، حيث لا تَسمع نَأْمَةً ولا حركة سوى دقَّات قلبٍ تبحث عمَّن نفخ فيه الحياة. فلما رأى إبراهيم في تلك الليلة كوكباً منيراً يُطِلُّ من عليائه، قال هذا ربِّي، ثمَّ أخذ يتابع الكوكب حتَّى غاب وزالت معالمه، عندها تساءل كيف أعبد كوكباً يطلع ويغيب، ويظهر ثمَّ يختفي؟ ومن سيرعى أمرنا، ويدبِّر شؤوننا إن هو غاب؟! ولما بدا له القمر مشرقاً متلألئاً، وكأنَّه يرمق الكون بنظراته الصَّافية، فيُضفي عليه جمالاً أخَّاذاً فقال: هذا ربِّي، فلما سحب القمر خيوطه الفضيَّة ومضى وغاب، كما غاب الكوكب قبله، قال: ما هذا بإله! ولئن لم يهدني ربِّي، ويوفِّقني إلى إصابة الحقِّ في توحيده، لأكوننَّ من الضالِّين الضَّائعين في عبادتي لغيره.
منهاج حياة · الصفحة ١٥٩
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
منهاج حياةص ١٥٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي