ولدخول الوسواس إلى قلب الإنسان طريقان، طريق خفيٌّ: وهو الَّذي تسلكه شياطين الجنِّ، وطريق ظاهر: وهو الَّذي يسلكه شياطين الإنس، فيأتون إلى الإنسان بصور وأشكال شتَّى؛ فيأتي أحدهم بصورة الصديق المحبِّ الناصح، فيبثُّ في جليسه الشرَّ والأذى من حيث لا يحتسب، أو يأخذ وظيفة النمَّام الواشي الَّذي يزيِّن الكلام، ويزخرف القول حتَّى يبدو وكأنَّه الحقُّ الصريح الَّذي لا مراء فيه، بغية زرع العداوة والبغضاء، أو يمتهن عمل بائع الشهوات، الَّذي يتسلَّل إلى منافذ الغريزة في إغراءات لا تدفعها إلا يقظة القلب ورعاية الله وحفظه. ويلعب دوره الكبير في التأثير بحاشية السوء الَّتي توسوس لكلِّ ذي سلطان، حتَّى تتركه طاغية جبَّاراً، مفسداً في الأرض مهلكاً للحرث والنسل. ولعل الوسواس الَّذي يأتي للإنسان من طريق أبناء جنسه، أعظم شرّاً وأشدُّ خطراً من الوسواس الَّذي يأتيه من شيطان الجنِّ؛ لأن هذا الأخير يخنس ويَضْعُفُ أثره بمجرَّد ذكر الله والاستعاذة به، أمَّا شيطان الإنس فلا يردعه ذكر ولا تطرده استعاذة، ويبقى قائماً على صاحبه متسلِّطاً عليه حتَّى يهلكه. وفي كلتا الحالتين لا ملجأ للإنسان إلا الله، فإن أراد حماية نفسه من شرور الوساوس أيّاً كان مصدرها فعليه أن يحتمي بالركن المتين، بربِّه، إلهه وإله الناس أجمعين؛ عندها ينصره الله ويجعله من الغالبين.
منهاج حياة · الصفحة ١٣٨
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
منهاج حياةص ١٣٨
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي