تعرض الآية الكريمة مشهداً حياً من مشاهد الدار الآخرة؛ حيث يقف العبد وحده بين يدي الملائكة في عالم البرزخ، وقد تَجرَّد من مظاهر الدنيا وزينتها، فيسألونه عن سبب تفريطه في أمر دينه، وتهاونه في شأن عقيدته، وقبوله بأن يبقى في دار الكفر، حيث كان يُمنع من إقامة شعائر دين الله، كما يسألونه عن السبب في عدم هجرته إلى دار الإيمان. ويحاول أن يجد جواباً يُخْليه من المسؤولية فيلتمس عذراً واهياً يتشبَّث به، مدَّعياً أن ضعفه حال بينه وبين الهجرة، ومنعه الخوف من تحمُّل متاعب السفر، ومفاجآت الرحلة، ومغادرة الوطن.
ولكنَّ العُذر غير حقيقي، والله عالم بحقيقة الأمر، لقد كره الهجرة وتثاقل وآثر البقاء في داره حرصاً على ماله ومصالحه الدنيوية، وعلاقاته الاجتماعية، ورضي بالذُّل والاستضعاف والفتنة في إيمانه لقاء عَرَض زائل. فقد حبس نفسه في صدفة ضيقة اسمها النفس الأمَّارة بالسوء، ودائرة صغيرة اسمها المكان، ولم يحاول أن يخرج من ضيق نفسه إلى رحاب عالم الروح، ولا من دائرة المكان إلى انفساح عالم الأرض. لقد اختار ما يرضيه في دنيا المادَّة ومسالك الهوى، وعزل نفسه عن الجسد الإسلامي، حين اختار الإسلام عقيدة نظرية، وتقاعس عن تطبيق تعاليمها ومبادئها عملياً، تحت لواء المجتمع المسلم.