جعفر : هل يمكن لي أن أحجز تذكرة إلى السودان ؟
عامل المكتب : السودان ؟ في هذا الوقت ؟
جعفر: في الحقيقة , نعم , هل هذا ممكن ؟
عامل المكتب : أخي , لقد منعت السلطات الأردنية سفر المواطنين الذين تتراوح أعمارهم بين العشرين و الخامسة و الأربعين إلى السودان إلا بإذن من المخابرات العامة , وهذا نص التعميم .. فهلا احضرت لنا مثل هذه الموافقة ؟ حتى لا تحرجنا أو نحرجك ..
جعفر: لماذا هذا الإجراء ؟
عامل المكتب : لا أدري , الظروف هناك متشابكة ..
علم جعفر أن هذه توصيات أمريكية , و أن أي شاب يتوجه إلى المخابرات لأخذ تصريح سفر معرض للإعتقال ,
قرر جعفر عدم الذهاب , حتى لا "يؤسر" أو "توضع في ملفه علامات استفهام "
و عاد إلى حياته " العادية "
مضى 35 سنة ,
توفيت" أم المثنى " قبل عشرة سنوات بمرض القلب ,
توفى الشيخ "أبو محمود" قبل 8 سنوات بمرض سرطان الكبد ...
المهندس "محمد خير " توفي هو الآخر قبل عامين بعد صراع طويل مع ورم دماغي , ولقد كان عضوا في البرلمان عن حزب جبهة العمل الإسلامي لدورتين متتابعتين قبل أن يرحل ..
مثنى هاجر إلى أستراليا , وهو يعمل هناك في مجال الحاسوب ,
خالد , طبيب بارع , متزوج من فتاة حسناء , ويقيم بجوار والده " جعفر " في مجمع سكني فاخر.
أما جعفر , فلقد ناهز عمره السبعين , متقاعد منذ 5 سنوات , يعاني من هبوط في عضلة القلب , مما يسبب " ودمة رئوية" بين الحين و الآخر يصحبها ضيق في التنفس ,
كانت زوجة ابنه "خالد" تقوم على رعايته , لكنها لم تكن تخفي تذمرها منه , و كان يشعر أنها تتمنى رحيله....
لكن ما باليد حيلة ,
لم يعد " جعفر " يجد من يبتسم له , أو يجلس لسماعه ..
فأبناء جيله رحلوا , أو على وشك الرحيل ,
لقد كان كهلا , ثقيلا , بطيئ الحركة , ضعيف الإبصار و السمع ..
في ليلة لا قمر فيها ,
بينما كان خالد في مناوبة ليلية في المستشفى ,
دقت زوجة خالد باب غرفة جعفر بطريقة مستفزة ..
جعفر : تفضلي يا ابنتي ..
زوجة خالد : عمي عذرا , سأذهب إلى زيارة أهلي اليوم , أخبرت خالدا فأذن لي , لن اتأخر ...
جعفر : حسنا ..لا بأس , فقط احضري لي دوائي ... فبعد ساعة يأتي موعده ...و مفتاح الصيدلية "لديك"..
زوجة خالد : الآن انا مستعجلة يا عمي , لن اتأخر , عندما أعود أخرجه من الصيدلية و اعطيك دواءك , لن أتاخر ..ساعة وأكون هنا ..
جعفر : كما تشائي ,
زوجة خالد : هل تريد شيئا قبل خروجي ؟
جعفر : أقفلي الأنوار , لوسمحتي ..
أقفلت زوجة خالد الأنوار , و تمتمت بكلمات تذمر , و أغلقت الباب بعنف ,
لم يكن جعفر يحب أن يفسد العلاقة بين خالد و زوجته " الحسناء " التي شغفته حبا , فآثر دوما السكوت و الإحتساب ...
نظر إلى الظلام الدامس من حوله ,
" ها أنت يا جعفر , في فراشك , أسير بلا قيد ,
ها أنت يا جعفر , عشت حتى بلغت السبعين ...مرت كطرفة عين ..
هل شبعت من الحياة ؟ لا يهم شبعت ام لم تشبع , فلقد اوشك الرحيل ,
يا جعفر , أين الأحبة ؟
أين الخلان ؟
أين أم المثنى ؟
أين الشيخ " ابو محمود" ؟
أين " محمد خير" ؟
أين حبيبتي " جهاد" ؟
أين " زمن الهوان " ؟
هنا , انفجر الرجل الكهل " جعفر" بالبكاء , و بدأ يردد تلك الأنشودة التي أحبها ...
يا حواري الخلود ..
أين أنت يا " خذوني للجهاد " : انتظرت ان يأخذوك فلم يأتي احد ليأخذك ,إلا ملك الموت على فراش القعود ..
أليوم أقول وداعا يا حواري الخلود ...
أليوم أموت على فراشي ...